كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1449:
لو لم يذهب لكان الآن في الخمسين. نضجت الأيام وتوالت وكبر الوطن احياناً وصغر أحياناً أخرى، ذهبت احتلالات وعاد احتلال، وبقي جوزف عبدو كرم في الثالثة والعشرين ربيعاً، ينتشل علماً غريباً ليزرع علم بلاده، علم تلو آخر، موقع تلو موقع… الى أن تدثّر العلم إياه ورحل في الشهادة.
لا تختلف الحكاية كثيرا عن مناضلين كثر سبقوه وآخرين التحقوا به، لكن تتوزّع التفاصيل بحسب الأمكنة والظروف والحروب التي خاضوها اولئك الذين يسعى وطن هذه الايام كل جهده لان يتناساهم. نحن لا نفعل ولا نريد، سنبقى نكتب حكاياتهم، الواحد تلو الآخر لتعلّم الحروف في مكان ما، لتصبح الحكاية هي حكاية الوطن المناضل الذي دفع بالدم والحياة أغلى ثمن لكرامة، ما زالت قيد النضال وعند البعض ما زالت قيد الدرس…
إذاً قرر جوزف باكراً الا يحمل همّ الجامعة، فخرج من المدرسة ليحمل البندقية. هو ابن البيت المناضل حيث كان الأب “الكتائبي” الأول وأصبح الجميع لاحقا، أخواه وأختاه، “قوات لبنانية”.
هم من أهل عين الرمانة، يكفي ذكر المكان لنعرف تفاصيل أي نوع من المقاومين هم. هي تلك المقاومة التي يعيشون فصولها على مدار الدقائق وليس فقط الايام، هذه عين الرمانة من منظار بيت مدروز بصور الشيخ بشير وسمير جعجع، والأهم، صلبان ومار شربل والعذراء تزيّن كل الزوايا. هذه حال بيوت عين الرمانة ولكم أن تتصوّروا باقي التفاصيل.

هم وخطّ التماس على تماس متواصل، من بيتهم يرون الآخر، نعم كان زمن نحن والآخر، صراع أبناء البلد حينا والغريب المحرّض في كل الأحيان. كانت الأم والأب والأختان، مجنّدين لخدمة الشباب، كل يوم تحضير أفواج من الطعام، فقد يأتي جوزف ومعه الرفاق من الجبهة في أوقات تبادل نوبات الحراسة، أو بين جولة قتالية وأخرى حين يتبادل المقاتلون المواقع والمتاريس.
يأتي الرفاق بالعشرات، يدخل جوزف وأخوه إميل المقاتل أيضا “إمي شو الأكل اليوم استعجلي وصلوا الشباب” وهكذا على مدار أيام الجبهات الداخلية “ما كنّا نهدا على طول جاهزين ت نشوف شو بدن الشباب خصوصا النازلين من ضيع بعيدة أو البعاد عن أهاليهم، كان بيتنا مفتوح للجميع هيك كان بدو جوزف هيك كنا نقاوم مع الشباب”، تقول لينا أخت الشهيد الذي لقب بالمقاتل الشرس لكن صاحب القلب الكبير الحنون.
عاشوا نشوة نضال الجبهات، وأيضا عاشوا الخوف الى درجة الذعر على حياة الشباب، خصوصاً عندما تولّى إميل الأخ الثاني، مهمّة المسؤول عن “بنك الدم” الذي انشأه في الأشرفية خصوصاً في حرب المئة يوم، وكان إميل يجول بين المستشفيات لتأمين الدم لمئات الجرحى الذين سقطوا في همجية المدفع السوري المحتل.
اشتدت حدة المعارك، أصيب بيت عين الرمانة إصابات بالغة ومباشرة، قرر الشباب أن ينتقل الأهل الى عمشيت علّهم ينعمون ببعض الراحة والهدوء، ولينصرفوا هم الى معارك عزّهم المتنقل من جبهة الى أخرى. كان جوزف يؤمن بأن المحتلّ السوري سيترك لبنان لا محال، ولن يحصل هذا الأمر إلا على يد “القوات اللبنانية”.
“بحرب الجبل طلع وما عرفنا إنو فوق ما خبّرنا حتى ما نخاف” تخبر لينا، وغاب جوزف حينذاك عن بيته ثلاثة أشهر كاملة، وكانت بدأت العائلة تعتقد أنه استشهد هناك ولا تجرؤ حتى البوح بمخاوفها، إلا أن ذات ليل سمعت لينا نقراً خفيفاً على الباب في عمشيت، سألت من الطارق فقال لها “هيدا أنا” لم تعرف الصوت، فظنت أنه أحد شباب “القوات” جاء ينقل لها خبراً سيئاً عن جوزف، فتحت ترتجف، فظهر أمامها شاب ملتحٍ مع بعض الشيب، يضع خوذة حربية، نظر إليها مبتسماً “ما عرفتيني يا إختي أنا جوزف”…
رحلة العودة من الجبل الى عمشيت استمرت أربعة أيام بعدها وصلوا الى برّ الأمان…

لكنه لم يستكن، لم تهدأ ناره “مش لازم نترك أرضنا لحدن عم يلعبوا فينا ومفكرين رح نستسلم” كان يردد دائما هذه العبارة، وعاد وصعد الى الجبل. بعد شهر غياب اتصل بأخته يطلب منها أن تحضّر له أكلته المفضلة العدس بحامض، والحلوى التي يحب بسكويت مغمّس بالشوكولا، “أنا نازل بكرا الصبح نطروني”، وفي اليوم التالي وفيما كانت تشتري أخته الخضار ، كان الكل ينظر إليها ولم تفهم سبب هذه النظرات، وهي كانت تخبر الكل بسعادة، أن جوزف عائد وأحضّر له الوليمة التي يحبّ، ولما عادت الى البيت علمت أن الشمس تلفح ابن الثالثة والعشرين، وأن العاشق الذي كان يتحضّر لعرسه من فتاة أحبها كثيراً وكانت تعيش انتظاره على ثواني الخوف، صار عريس السماء، اقترن بالشهادة، انتزعوا البندقية التي كان ممسكا بها وعليها صورة العذراء، ووضعوها فوق عرشه الذي صار حديقة زهور في عطر السماء.
لا تُكتب حكايات مماثلة لنبكي على شهيد، إنما لنحكي عنهم ونبتسم ونحن نمسح دمعة الحنان تلك التي تكرج، لتذكّرنا بإنسانيتنا، وبأننا نحب أن نتكلم عنهم ليبقوا أحياء فينا، هكذا هم أحياء فينا…
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.