#dfp #adsense

إن ننسَ فلن ننسى: الشهيد الأب بطرس أبي خليل: انت يا بونا مقاتل؟… وشهيد كمان

 كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1495:

في تاريخ المسيحيين ثمة كهنة ورهبان حفروا الصخور ليجعلوا منها معابد النسك، شقّوا الوعر ليحموا الناس من ظلم العثمانيين، عمّروا الأديرة وجعلوها مستشفيات ميدانية تأوي الجرحى في الحروب وتوزّع القمح على الناس حين استعبدنا المحتلّ. في تاريخ المسيحيين كان الكهنة هم حماة الديار خلف المقاتلين، وأحيانا رفاق سلاح واحد، من أجل الدفاع عن الوجود المسيحي الحر ليس في لبنان وحسب انما في كل هذا الشرق، أبونا بطرس أبي خليل كان من بين هؤلاء.

كيف تكون كاهنا ومقاتلاً في آن واحد؟ كيف يقدم كاهن جسد الرب عربون الحياة والسلام والمحبة، ويرفع البندقية، رمز الموت، في وجه إنسان في الوقت ذاته؟! هي صيغة السؤال خاطئة، فمن يحمل جسد الرب ليقدمه للناس، يحمل جسد الوطن ليدافع عنه كي لا يكون لقمة سائغة للطغاة، وهذه أكبر صلاة، هذه هي الصلاة.

منذ قبل المراهقة وهو يقول “بدي كون أبونا”، رفض الأهل، عمل لإعالتهم، في الثامنة عشرة كانت وصلت دعوته الى ذروتها وما عاد يصبر على التأجيل، ترك عمله في فندق “السان جورج”، حمل صليبه وذهب الى حيث ندهه الله. عندما التحق بالكهنوت لم يصدقه أحد بداية، قالوا هي فترة ويعود من بعدها الى رشده، لكن من اختاره الله خادمًا له لا يمكن أن يعيد عقارب الاختيار الى الخلف. هو ابن عيلة أبي خليل من تلك الكحالة المناضلة ما غيرها، من بين خمسة شباب وثلاث بنات، كان العام 1965 وكانت البلاد في عزّها، ولم يكن يعرف أو يتوقع ما كان ينتظره ولا ما هو متربّص بالبلاد، عبرت الأيام، سنين قليلة وصار بطرس كاهنا يتسلم الرعايا تباعًا.

ليس من السهل التحدث عن كاهن مناضل شهيد. ليس اعتياديا أن يحمل كاهن مسبحة العذراء في يد، وفي الأخرى بندقية مدروزة بصور العذراء، ثمة تناقض “أنا أبونا ع المذبح وبرّات المذبح أنا رفيقكن وخيكن الزغير أو الكبير متل ما بدكن” كان يقول للشباب حين يأتي المتاريس محمّلا بالذخائر والمؤونة والضمادات، ويقف معهم جنبًا الى جنب يدافع عن وطنه، وعن مسيحه الذي تعرّض لأقسى حروب الإلغاء وفي كل الاتجاهات “لبنان قبل كل شي، لبنان يعني الله”. كان يردد ذلك أمام من يدهشون لحضوره مقاتلا، وإن كان حين يحمل البارودة يخلع ثوب الكهنوتية ليلبس بدلة كاهن الأرض وليقدم لها قرابين حياته وليس أقل.

“عندِك خمس شباب ما بدك تقدمي واحد منهم للبنان؟” كان يقول لأمه حين تعاتبه أو تطلب منه عدم الذهاب الى المتراس، خصوصا أن شقيقه الأصغر شوقي، كان أيضا من ضمن مقاتلي “الكتائب اللبنانية”، وتصمت الأم على مضض وكأنها كانت تعرف أن الرب سيأخذ منها وزنة ما، وتخاف أن تبوح بما تشعر به بغريزة الأمومة، كانت تشعر في سرّها أن الأبونا سيكون على مذبح الرب قربانا عن هذه الأرض، وهذا ما حصل.

كان الأبونا بطرس انتقل منذ فترة من رعيته في عين دارة الى الكحالة، بناء على طلب مطرانه ليحل مكان كاهن آخر، ومن هناك صار رفيق المقاتلين وزميلهم، يتفقدهم متراسًا متراسًا، يصلي معهم على وقع القذائف، ويدافع بالروح والدم عن وطنه.

خطف ذات مرة  مع كاهن رعية بحمدون حين حاصرهما مسلحون من الحزب الاشتراكي آنذاك، وكانا في ثياب الكهنوت، أصر على مقابلة الزعيم كمال جنبلاط وكان له ما أراد، بقي ثلاثة أيام في ضيافة الحزب حيث عومل بكل احترام، إذ كان معروفاً في المنطقة ومحبوبًا من الجميع، وفي اليوم الثالث أوصله مقاتلو الحزب الى محطة العربانية، ومن هناك أكمل طريقه سيرًا باتجاه الكحالة وكان أول يوم في الشهر المريمي، أيار 1976. كان يعرف أن العذراء ترافقه في كل خطواته، وأنه سيكون بين أهله ما أن يعبق زهر نوّار في ربيع الأرض.

 

كانت الحرب في أعنف مراحلها، الكحالة محاصرة، الجحيم يرمي حمماً فوق المنطقة، المسلحون الفلسطينيون يزرعون الفوضى والخراب في كل مكان، بدأت معالم لبنان الحلو تغيب تباعًا، وجيش الاحتلال السوري يدوزن ايقاعات الحرب بحسب ما يحتاجه من دمار وموت للبنان وفي كل مكان، وكانت تل الزعتر وكان نهر الشهادة، الشباب المسيحيون صاروا كهنة المتاريس، تركوا العالم ليسترجعوا أرضهم من أعماق الوحوش، وكان تموز، أخبروه أن شقيقه الأصغر شوقي أصيب في قدمه، فهرع للبحث عنه “رايح جبلِك بن يمين” قال لأمه مطمئنا، حمل مؤونة الذخيرة للشباب وذهب بحثاً عن أخيه، وكان الشباب صدّوا هجوما عنيفاً سقط على أثره عدد كبير من القتلى والجرحى للمهاجمين، أحد الجرحى كان لا يزال في وعيه، وما إن وصل الأبونا ورفاقه المقاتلون حتى عاجلهم بقنبلة يدوية، فأستشهد مع اثنين منهم، شربل فارس أبي خليل وراشد فارس بجاني، سقط الأبونا بطرس مضرّجًا بالكرامة فوق مذبح الشرف، تناول قربان وطنه، وجعل من روحه خبزًا مقدسًا يطهّر جسدًا جائعًا الى الكرامة، ويروي غليل أرض لا ترتوي إلا بدمائنا.

سجّل يا زمن سجّل أن عندنا وعندنا فقط، في المقاومة المسيحية اللبنانية، حمل الكهنة كأسين، واحدة من خمر المسيح لنسكر بالمحبة، وأخرى من أجسادهم الطرية لتسكر الأرض من شهادتهم والمجد واحد، تقول يسوع تقول لبنان.

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

خبر عاجل