كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” العدد 1430:
.jpg)
هو ابن ضيعة. مكان جميل مرمي وسط سهل البقاع، عند تلة ترتشف قهوة الصباح على عيون بحيرة الليطاني. عيتنيت. واحدة من تلك القرى التي زحل شبابها الى الجبهات كافة، وأصبحوا أبناء كل تلك المساحات المحتلة، التي زرعها جيش النظام السوري رعباً وانتهاكاً وأيضا مقاومة.
نديم عبد النور، الهوية الاصلية، مقاوم في “القوات اللبنانية”، وحيد وثلاث اخوات بنات، كيف لوحيد أن يلبس البزة الزيتية ويجعل عمره ايقونة على فوهة بندقية؟
.jpg)
لم يسمع من أحد، لا الأم ولا الأب، فعل كما فعل كثر ممن سبقوه، ترك كل شيء وصارت الجبهات بيته الأول وكل ما عداها البيت الثاني. هذه خطيئة، خطيئة مميتة ارتكبها. في لبنان تصبح خاطئاً عندما تمارس الوطنية حتى آخر نقطة دماء.
في لبنان، العملاء يكرّمون ويتبوأون المناصب العالية ويصبحون رسلاً. في لبنان، المقاومون الحقيقيون يرمون في ظلال الذاكرة، في صندوق سيارة أو يعدمون بالرصاص…
.jpg)
أعدموه بالرصاص علناً، في وضح النهار، أمام نظرات ابنه، تحت شمس نوّار، على عيون الرب. في الثلاثين صار نديم عبد النور شهيداً. 3 نوّار 1992 وقف زمنه هنا لتبدأ ولادته في غير مكان.
شهر العذراء مريم، عطر الأرض من عطرها يفوح القداسة. رائحة الشهادة من روح القداسة. كانت مرحلة تحكّم النظام الأمني السوري – اللبناني بكل شيء. كانوا يملكون “لائحة سوداء” لأسماء مقاومين بارزين في “القوات اللبنانية”، لم يعرفوا ان كل مقاوم ومقاومة في “القوات اللبنانية” هم “مقاومون بارزون”، وأن لا أفضلية لأحد على أحد إلا بقدر الانتماء والاخلاص لهذه الأرض، هذه الأرض التي أدمنت دماء من يفديها كل الحبّ.
.jpg)
كانت اللائحة طويلة ومن بين السماء حُفر اسمه، نديم عبد النور. صيد ثمين، كان يزعجهم. شاب شجاع، مقاتل شرس لا يهاب المواجهة، في سجله الكثير من البطولات في أكثر من مكان، والأهم أنه معروف بمعاندة الاحتلال السوري حتى في زمن “السلم” المفترض. السلم الذي فرض إيقاعه بعدما انفلش جيش الاحتلال فوق كل المساحات بعد عملية 13 تشرين 1990، ما غيرها، ومن يومها بدأت عمليات الصيد تتوالى على يد أزلام النظام السوري في لبنان، أزلام، ومنهم لبنانيون، ولم يكن أثمن من اصطياد شباب “القوات اللبنانية” لتعميم منظومة الرعب وليصبح الاستسلام أمراً واقعاً في تلك البيئة اللبنانية المتمردة.
كان يجب أن يقتلونا ليعيشوا فطراً يتنامى على منازل الكرامات العالية، والجباه التي لم تعرف حتى اللحظة كيف تنحني إلا للرب.
كان يحمل ابنه ويتمشى به في الأشرفية، هي ساعة استراحة يمضيها مع عائلة عاشت ولا زالت تحياً نبض المقاومة، فاجأه ثلاثة مسلحين، أحاطوا به من كل الجنبات، علم أن الافلات منهم صعب، وأن مواجهتهم قد تحوّل الشارع الى بركة دماء، وأن أوّل الشهداء سيكون ابنه. الشارع كله كان يراقب ما يجري حتى زوجته التي كانت الى الشرفة، وهرعت عفوياً ومن دون تفكير لحمل رشاش ما إن رأت المسلحين. قال لهم نديم “بدكن تقتلوني اقتلوني بس مش قدّام ابني”، وأفلت ابنه سريعا من بين ذراعيه وقال له: “ركوض بابا”. مشى الطفل خطوات قليلة مبتعداً عن والده، وزُرع جسد نديم برصاص النظام الأمني إياه وبدأت زوجته إطلاق النار عشوائيا ومن دون وعي…
.jpg)
لحظات مدوّية ضياعاً والمفارقة أن نديم وسط كل هذا الجنون، شاهد موته يقترب وواجهه بصمود غريب، لعله كان يناجي العذراء لينجو ابنه من موت كاد يحصده أيضا. هي حكاية فداء منذ البداية، فدا القضية ولم يسأل عن مقابل إلا الكرامة المسلوبة، وفدا ابنه مقابل أن يعيش من بعده.
لا أحد في الشارع استوعب بداية ما يحصل إلا بعدما رسُمت النهاية، مشهد حياة أو موت لم يستغرق سوى دقائق، دقائق من عمر الذهول غيّرت خارطة طريق عائلة نديم. ونديم الذي كان من المفترض أن يكون عبرة لمن تسوّل له نفسه مواجهة الاحتلال بأي طريقة، لكن المفارقة الثانية والأهم، أن المقاومين صاروا يتكاثرون ويتكوّمون همّا وعبئا على قلب ذاك النظام وحماته “الرسميين” وغير الرسميين في لبنان، وأن حكاية نديم صارت هي الحكاية.
.jpg)
تقول والدته شبه المقعدة منذ استشهاده وبعنفوان ابنة العشرين: “بس موت لفّوني بعلم “القوات”، نحنا ما منموت، أنا امّو لسمير جعجع كمان، قولوا للحكيم يضل يحكيني من وقت للتاني أنا ع طول بشتقلو”…
.jpg)
صحيح أن مدونات هذا الوطن ترفض حتى الساعة تدوين بطولاتهم، لكن لا يهمّ، الأيام آتية لا محال، ومن حفر بالدماء عمرا من عمر هذه الأرض، لن يكون له إلا الغار وبيرق حرية مرفوع، والله والله الغار وبيرق الحرية…
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.