كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” العدد 1434:
.jpg)
إذا لم نكتب عنهم من ينصف تاريخهم وحكاياتهم؟ كيف تعبر حرب، ولا نقول معركة، مثل حرب زحلة كريح عابرة أو “حادثة” ومضت في تاريخ أرض وليست أي أرض؟ لو يحترم الوطن تاريخه لكان حاضره أكثر كرامة بالتأكيد، وحتى الساعة هو لا يفعل، لو يدوّن على الأقل من استشهد لأجله من دون استنساب، لكان الأن كتاب التاريخ يذكر شهداء حرب زحلة قبل سواهم ومن بينهم نجا خوري.
.jpg)
فوق الثلج استشهد. نبدأ من النهاية… نهاية؟ لعلها كذلك عندما نتكلم حياةً على الأرض، وعندما نعزّي حالنا نقول البداية فوق، والبداية جاءت من ضمن مشهدية كرامة قلّ نظيرها شاء من شاء واعترف بها من اعترف لا يهم، المهم أنه حمل البندقية ليحارب الاحتلال السوري الذي كان يحاصر زحلة في العام 1981 وسقط مدوياً فوق الثلوج.
في الأساس صعد الى المعركة من دون أن يعلم الشيخ بشير بذلك، لأنه كان يعرف انه سيرفض لان جبهة العاقورة كانت أيضاً ملتهبة وهو كان رئيس ثكنة اللقلوق، لكنه لم يتمكن من البقاء هنا، فأتفق مع رفيقه سمير جعجع الذي كان مسؤولاً عن ثكنة القطارة، وصعداً معا كل مع عدد من الرفاق، وعندما أصبح في قلب المعركة علم الشيخ بشير بوجوده فوق. في المشهدية الدامية، بعد أربعة أيام من المواجهات الضارية، كان مع رفاقه هو في الوسط ويحمي ظهرهم جعجع وعدد آخر من الرفاق، كشفهم الأبيض، الثلج، فشنّ السوريون غارات عنيفة متواصلة عليهم، سقط أربعة شباب دفعة واحدة من بينهم نجا، فطلب جعجع من الجميع تغيير طريق العودة بسرعة لأنهم لم يتمكنوا من سحب الشهداء لشدة القصف وخوفاً من سقوط المزيد، ووصلوا بصعوبة بالغة الى ما كان يعرف بالغرفة الفرنسية، هناك في الجبهة الأخرى كان شقيق نجا، جوزف يقاتل أيضاً، هم عائلة مناضلين، فسألهم عن أخيه قالوا له أنه عاد الى ثكنته في اللقلوق خوفاً من أن يلحق به الى مكان استشهاده.
.jpg)
كان يوم الخميس في 9 نيسان 1981، أربعة أيام ونجا تحت الثلج مع رفاقه الشهداء. الاثنين استيقظ والده باكراً ذهب الى كنيسة مار الياس، ظن أهل الضيعة، المغيري، أنه فقد عقله من شدة الحزن، قال لهم “مار الياس جبلي ابني عن التلجات واليوم جايي” ولم يكن أحد أخبره بالأمر، ووصل نجا ظهرا الى ساحة الكنيسة في الضيعة وانطلق عرسه…
سبعة وعشرون عاماً منها السنوات العشر الأخيرة في النضال المتواصل. انضم الى “الكتائب” بداية وأصر على الالتحاق بهم الى جبهات تل الزعتر وسواها لمحاربة الفلسطينيين، فرفض والده وأطلق النار على قدمه ليمنعه من الذهاب الى الجبهة خوفاً على حياته، فلم ينتظر كفاية لتشفى قدمه بالكامل، والتحق رغماً عن إرادة العائلة، وهكذا تحوّلت الجبهات الى بيته والبزة الخضراء الى ملبسه اليومي، وصارت الثكنات ملفى العز الذي أدمنه.
كان مسؤولاً عن ثكنة اللقلوق، هو من أنشاها وحملت اسمه، “خلق ت يقاتل” تقول أخته مارغو “من 1975 حتى استشهاده لم نره يوماً كاملاً في البيت يأتي في زيارات خاطفة سريعة ليتفقدنا، كان عايش بس للقضية ما عندو غير هالهاجس”، والهاجس إياه جعله يرفض الهجرة ويحاول إقناع كثر من أصدقائه ألا يفعلوا “إذا تحرر لبنان منعيش عن جديد” كان يكرر أمامهم هذه العبارة كي يقنعهم بالبقاء، وكان على يقين أن التحرير آتٍ لا محال. “مستحيل نبقى هيك أكيد رح يفلوا السوريين والفلسطينيين إذا بقينا صامدين”.
.jpg)
عاش شوق الحرية، كان حراً لكن حريته كانت منقوصة، ضيق ما كان يسكنه لأن الاحتلال يطبق على أنفاس البلاد بصور وأشكال مختلفة، وهو كان مستعجلاً لكل شيء وخصوصاً حمل البندقية لتطهير الأرض من الغرباء يقول. عندما كان فتى كتائبياً كان يحب الشيخ بيار الأب ويهابه ويرفض استغلال الحزب للوصول الى غايات خاصة، وعندما أصيب في الانفجار الذي استهدف الشيخ بيار عند نهر الكلب وحاول الشيخ بشير أن يطبّبه على حساب الحزب، رفض ورد المال طالبا أن يُحوّل الى عائلة شهيد.
.jpg)
في ضيعته المغيري يعرفون الشاب المندفع الذي لا يهاب شيئاً ككثر من رفاقه في “القوات اللبنانية”، كانوا يضحكون عندما يولد طفل جديد إذ يرددون ما يقوله نجا دائما “ربحنا بارودة جديدة”، إذ كان يؤمن أن أي مولود جديد في الضيعة هو بالنسبة إليه مقاوم جديد وبالفطرة على طريق النضال، هكذا كان يراهم، بعيون المقاتل المسيحي المؤمن بربه وقضيته، وكل مولود تحت اسم المسيح هو مناضل لأجله ولأجل هذه الأرض. ولما ذهب ترك غير حكايته الناصعة كثلوج زحلة، ترك أيضا بندقيته وبزته الخضراء وذاك الصليب المحفور فوق بيت النهاية وعمر البداية الذي حفره بقطرات دماء فوق الناصع اللامتناهي، وفيض من مطر الكرامة… هذه حكاية تليق بوطن.
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.