
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1512
هو تقاسم الحياة بين الدراسة والمتراس، بين الحياة نفسها والنضال حتى الشهادة لأجل حياة الآخرين، بين الثكنة والبيت، بين حب الأهل والعائلة وحب الأرض الذي فاق كل ما عداه، ما رأيك ناجي زخور فيما تقدّم؟ أما زلت موافقاً على مضمون الشهادة، على عمر النضال الذي عبر؟ على الاستشهاد الذي وقّعت به بدمائك وعمرك الطري على صفحة وطن في مكان ما لا يعتبرك شهيدًا، وفي آخر ما زال يفلفش الصفحات لتكون من بين أنقى الشهداء وأحلاهم؟!

معك على الخط مذ كنتَ في الرابعة عشرة، كيف يترك فتى بعمر طري كهذا كل أحلام الصبيان باللعب واللهو والضياع واللامبالاة، ليلتحق عنوة عن أهله بثكنة ليس فيها شيء من أحلام المراهقين، فيها ما فيها من قسوة الحياة وجديتها والتحضير لما هو أسوأ دائما، الحرب؟ من حرّضه شجّعه على الالتحاق بالعسكر وهو بعد بالكاد يتمكن من حمل بارودة؟ كيف فعل ذلك هو ابن الجبل بالأساس، ابن عاليه، في وقت كان الخوف جنوناً يعصف بالمسيحيين تحديدًا وبمصيرهم المجهول آنذاك؟! “ما سأل حدن ضب تيابو وراح ع الثكنة وكأن حدن ندهو وما قدر ما يلبي النداء” يقول إيلي الأخ الأصغر لناجي.

كانوا أربعة، ثلاثة صبيان وفتاة، وكان الأب بدأ يخاف جديًا على أولاده خصوصًا بعد استشهاد البشير، فنزح الى بيروت قبل قليل من اندلاع حرب الجبل ما غيرها، وكان ناجي يستعد لشهادة البروفيه، بدأت حرب الجبل وذهب ناجي الى دورة تدريبية في طبرية، غاب لمدة شهر كامل عن البيت كان يقتنص الوالد أيام الأحاد ليتمكن من زيارته والاطمئنان إليه، وتوالت الدورات هناك وهنالك، وهكذا عبر وقت الحروب وناجي يكبر على الجبهات، من واحدة لأخرى، من ثكنة الى أخرى، وبين المتراس والمتراس، كانت الجامعة، رفض المناضل أن يتنازل للحرب عن كل ما يملكه، وأغلى ما كان يملكه هو ذاك العنفوان الغريب، تلك الشجاعة النادرة التي جعلته يتبوأ مركز القيادة في ثكنة Gamma zero في الأشرفية، خصوصًا أنه تخصص في هندسة الاتصالات، وأصبح لاحقا آمر فصيلة قبل أن يكون أول من يتسلّم مصلحة الطلاب في العام 1993 بعدما أخذت المصلحة إطارها التأسيسي على يديه ويدي رفاق مشوا معه في الحلم في النضال وبعضهم في الشهادة أيضًا.

تسألون عن ناجي؟ إسألوا رمزي عيراني، لكن رمزي استشهد ولحق برفيق دربه بعدما كان حزن عليه وبكى الرفيق الذي ما عاد يذكر سريره في منزله، إذ تحولت الثكنة الى بيته الأول والبيت الى منزله الثاني “كان يجي ع البيت تـ يزورنا ويطّمن علينا ويرجع ع السريع ع الثكنة، كان يتعاطى معنا كأنو والدنا ويهتم بأمورنا ويعتبر حالو المسؤول عنا بكل شي، حنون كتير وبذات الوقت حازم ومصمم ومنشان هيك قدر يتخرّج من الجامعة من دون ما يترك مهامو العسكرية أو يقصّر فيها” يقول إيلي عن ناجي.

… وجاءت حرب التحرير المزعومة، ذهب الى المتراس ممتعضاً خائفاً على الوطن أكثر من أي وقت مضى “ما رح نتحرر” قال لرفاقه، كان يعرف أنها حرب عبثية لن تؤدي الى التحرير بل على العكس، والبلد سيبقى محتلاً، ومن سخرية القدر أن فصيلته تلقّت تهنئة من الجنرال حين طلب من “القوات” مساندة الجيش بالمدفعية لقصف مواقع السوريين!! جاءت حرب الإلغاء، بالنسبة إليه كانت من أقسى الحروب التي خاضها مرغما ورفاقه في “القوات اللبنانية”، “هيدي حرب وجود” كان يردد.
عندما هاجمت مخابرات الجيش “المؤسسة اللبنانية للإرسال” وطردوا الفريق العامل فيها من مبنى جونيه، حين كانت أيام مصادرات ممتلكات الحزب، هرع مع رفاق له، هو المتخصص بهندسة الاتصالات، ليبقى البث حيا عبر الشاشة وكي تبقى صورة الـ lbc مشعّة بعيون الناس وعلى عيون السوريين وأزلامهم وأجهزتهم ومخابراتهم، ونجحوا، فعلوا المستحيل ونجحوا ولم ينقطع البث إنما انقطعت أنفاس العدو الذي كان يطمح بليل مؤلم للمقاومة، بليل طويل للشباب المناضلين ولم يحصل.

تعرّض للمضايقات وكان يتقصى أخبار رفاقه الكثر الذين يلاحقون ويعتقلون ويضطهدون، ويبتسم هازئاً “منكفي لو شو ما صار” يقول، ولم يتردد لحظة في مواصلة نضاله، لأجل رفاقه، لأجل الأرض، لأجل شغفه المجنون ذاك بحلم اسمه لبنان، لأجل كرامة أرض ابتلعتهم صحيح، لكنه صنع مع رفاقه الشهداء والمناضلين الأحياء حكاية مجد لا تنطفئ.
كان يحب العذراء مريم ويتعبّد لها، وكان ذاك اليوم الأول من تشرين الثاني العام 1993، عيد تذكار الموتى، زار العذراء في حريصا قبل ذهابه الى مهمة حزبية، وعلى الطريق انقلبت السيارة وانقلبت الحياة رأسا على موت واستشهاد دامِ. ذهب الى حيث العذراء وبقيت الصور والبدلة العسكرية وثيابه وأغراضه، كلها هنا تحكي بعضًا من حكاية شاب صار رجلاً في الرابعة عشرة، لأنه قرر أنه مقاتل بالفطرة بالعنفوان البرئ لأجل لبنان وليس أي شيء آخر “بفتخر إنو خيي شهيد بـ”القوات” وإنو شهادتو أثمرت حرية، شبّ معلم مثقف ومناضل بذات الوقت هيدي صورتنا الحقيقية، بفتخر إنو ببيتنا في شهيد وإنو “قوات لبنانية” وإنو شارك بالحرب”…

يا مهندس وجهك جميل وقامتك فرح العنفوان، لك منا صلاة المقاوم ولنا منك كل الكرامة التي أسبغتها فوق حكايتنا، حكايتك، حكاية الرفاق الشهداء المناضلين…
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسَ فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.