كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1483:
أما زال الشال الأحمر يلتفّ بالعنفوان حول عنقك؟ أقول نعم بالتأكيد، لا أظن أنك ستخلعه يوما إلا إذا خلع لبنان ألوانه. بيار الجميل كيف الأحوال من صوبك؟ أما زلت بتحب لبنان وبتحب صناعتو؟
.jpg)
أفلفش كتابه، صوره متنوّعة لكنها واحدة، شاب في مقتبل الجمال والحبّ يلبس العنفوان بغزارة، يقف الى منبر الشجاعة يقبّل العلم اللبناني قبلة عاشق لامرأة هي كل النساء، هي كل الحبّ كل الأرض، ويصرخ من فوق منبر “بتحب لبنان؟ حب صناعتو”. لم يكن يقصد صناعة الورق والخشب والنايلون والملبوسات و.. و… وغيرها، كان يقصد حِب لبنان عن جدّ وبالممارسة وليس فقط بالشعارات.
أراقبه يتنقّل من موقع الى آخر، يخطب هنا، يحمّس هناك، يجول على الرفاق والناس، يحدّثهم عن تاريخ “الكتائب”، عن ثورة الأرز، عن لبنان القوي، عن النضال المستمر، عن… وعن… وعن الاحتلال السوري وأزلامه، وعن الشهداء “مين قال إنو بيار الجميل مات؟ بيار الجميل حي فيكن اليوم، كل واحد فيكن بيار الجميل” كان ذلك يوم 14 آذار 2005 في تلك اللحظة التاريخية في تلك الساحة التاريخية. كان يحكي عن جدّه وإذ به في 21 تشرين الثاني 2006 يذهب وبنهم الجائع إليه، الى جدّه، الى الموت من عندنا والى الحياة بمفهوم السماء.
.jpg)
انضم يومذاك الى القافلة إياها، الى الأنشودة إياها، شهيد ورا شهيد ورا شهيد، لكن في تلك اللحظة وعندما دوّت الرصاصات الغادرة في جسده، شيء ما تغيّر فينا، لم نكن نعرف ما ينتظرنا فعلا، كان سبقه الكثير من الشهداء، لكن كنا نظن أن الاغتيال لن ينال من شخص مماثل بعد، كنا نقول في سرّنا أن ليس من المعقول أن يعاقبنا الله أكثر ويسرق منا شبابنا بهذه السهولة، وإن كان فعل سابقاً وبغزارة لا متناهية، ولكن كانت هناك جبهات وقتال ومعارك حياة أو موت، متنا بغزارة لتنبت حقولنا قمحاً وفيراً، الاستقلال الكرامة، لكن كنا نظن ورغم الموت المحدق بالجميع ورغم الاغتيالات المتكررة، إنهم لن يتمكنوا أن ينالوا منا بعد وبهذه البساطة، فعلوها قبل عام وأخذوا جبران التويني في عزّ الصباح، قلنا انتهى الموت، لن يدوّي حزن أكبر على غياب مماثل، وبعد أقل من سنة كرروا الدوي ذاته، في وضح النهار، في ساحة الجديدة، بهدوء استثنائي، بدم بارد، من دون حيطة ولا حذر من جانبهم، انتظروه، خرج من عزاء فأفرغوا حقدهم رصاصاً ودماء فيه لندخل نحن في العزاء.
انكسر شيء كبير فينا، شعرنا بالخيبة بالمرارة، نظرنا إليه، الى السماء “ليش يا الله عم تاخد أحلى شبابنا؟” دخلنا لوهلة في الكفر، في نكران نِعَم الله علينا، كان الحزن أقوى من الاستيعاب، كان الغضب أعنف من التقبّل، كانت الثورة جنون دمار يغزونا من الداخل وما كنا نريد أن نتدمّر أكثر بعد.
ذهبنا الى عرسه نودّع الشهيد، صوته كان قويا جداً “بيار الجميل ما مات” ونحن نراه ميتاً في نعش أبيض يرقص على أنقاضنا، كان الوطن يرقص ذبيحاً من الألم وهم سعداء، يسرحون يمرحون يراقبون موتنا ونحن نراهم يراقبوننا، هم بيننا كل يوم، يعيشون أحلى عيشة، قتلوا الزهر والعطر والشهامة، هكذا ظنوا لوهلة وهكذا أيضا نحن فعلنا، ضعنا في موجة الحزن لكن وعندما راقبنا وجوههم السعيدة انتبهنا، تنبّهنا أننا ومن جديد علينا أن نحمل النعش بيد والرجاء في القلب، والثورة كل الثورة والنضال في اليد الثانية، كانوا يراقبوننا في ذاك اليوم، من قرب، هم من بين الناس هناك وفي كل مكان، قلوبهم ترتجف سعادة، اعتادوا اغتيالنا هذا من صلب إيمانهم وعقيدتهم، مررنا من أمامهم وتوعّدناهم، الأيام آتية والنعش الذي يرقص بالكرامة هنا هو الحياة كلها في كل مكان، هو نعشكم في الواقع، هم الآن في النعش ولا من يندبهم، التاريخ أظلم المقابر وأكبر العروش في آن.
بيار الجميل ما مات، صحيح، ذهب وقبل يوم واحد من ذكرى الاستقلال ليحوّل الذكرى الى واقع حي، ليخبرنا أن الاستقلال الذي طرّزه شهداء سيبقى يُطرّز بالشهداء قطبة قطبة حبكة حبكة الى أن يزول عن وجه لبنان كل هؤلاء الدخلاء والكذبة والدجالين والمنتحلي صفة لبنانيين، وهم ليسوا أكثر من عملاء صغار لطموحات فارغة ووطن قبور لا يشبه إلا أطماعهم.
نشتاق إليك؟ أُفّفف كثيرا. الى أمثالك، الى حيويتك وصدقك، الى صوتك الصافي الشفاف، الى وجهك الحلو وتلك البسمة العابرة للقلوب. وكما العادة، لك الشموع وصلاة هي مزيج من عنفوان وحكاية وطن لا يموت شهداؤه، إنما يقتل القتلة مع كل شهيد ويذهب الى أمجاده مرفوع الجبين.
وعلى فكرة كان معك كل الحق، بيار الجميل ما مات…
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.