#adsense

إن ننسَ فلن ننسى: ريشار يا راهب القضية…

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1477:

كنت أعرفه تماما. ريشار فريحة ابن الجيران، هو في الطبقة الأولى وأنا في السادسة. ذاك الشاب الحلو الطويل القامة، طويل جدًا، مهذّب لطيف دمث الأخلاق، محبوب من الجميع، وحيد لأهله مع ثلاث أخوات، الكل في ذاك المبنى في شارع فسّوح في الأشرفية يعتبره ابنه.

كان المدلل لديهم ومحسوبًا على الجميع، فهو إبن “أم ريشار” تلك السيدة اللطيفة المحبّة لجيرانها، تتشارك الحياة معهم وكأنها في بيتها ويتشاركون معها كل التفاصيل الأخرى، من الطبخ والخياطة وهموم الأولاد والحياة وصولاً الى الخوف من كل ما يجري في الوطن. كان الجميع وحدة حال خصوصا خصوصا في الملجأ، وإن كنتُ لم أجالس يوما ريشار في الملجأ، لأنني لم ألحِّقه. فقبل العام 1983، كان أبي يهرّبنا غالبًا الى الضيعة خوفاً من القذائف، وبعد ذاك التاريخ كان ريشار أصبح… شهيدًا…

تموز 1983، لا أذكر لماذا كانت الطرق مقطوعة، وكنا محاصرين في بيروت. هذا هو الجحيم بالنسبة إلينا، كانت الضيعة بعيدة جدًا وأنا أختنق، أريد أن أكون فوق مع أصدقائي ورفض أبي أن نذهب خصوصًا أن الطريق محفوفة بالمخاطر وضهر البيدر مقفلة، دائمًا مقفلة، وعلينا أن نذهب إما عبر الجنوب البعيد أو عبر البحر ولا أذكر كيف ولا من أين، وكان أبي حازما: ممنوع الصعود الى الضيعة في هذا الظرف. أذكر أنني كنت في الدكان، فجأة سمعت صراخًا، هرعت الى المبنى رأيت “أم ريشار” تولول و”أبو ريشار” متهالكاً الى كرسيه وكأنه جثة، لا يرمش، ثم فجأة بدأ يخبط رأسه بيديه. لم أجرؤ على السؤال، خجلت، صعدت الدرج وكأنه درجة واحدة، لا كهرباء بطبيعة الحال “بابا مدري شو في بالبناية بو ريشار عم يبكي” نزل أبي مسرعًا ثم عاد ليخبرنا أن ريشار استشهد… يا الله.

قبل الاستشهاد بأيام كنا بدأنا نسمع بعض همسات بأن ريشار التحق بشباب “القوات اللبنانية”! بالنسبة إلينا “القوات” يعني الشيخ بشير، يعني ثمة من يدافع عن مناطقنا ولا نعرف تفاصيل أخرى أو حتى عواطف جيّاشة أو ذاك الانتماء الواضح الناضج وما شابه، كنا بعد صغارًا على ما يسمى بـ”القضية”، استغربنا كثيرا لأن ما كان يبدو على ريشار يوما أنه من هؤلاء الثوار المسكونين ريح النضال، كان أنهى دروسه الثانوية ويسعى للالتحاق بالجامعة، وكل شيء كان يوحي بأنه شاب عادي يعيش تلك الحياة الهادئة بعيدا من الحرب بكل مظاهرها، كنت أرى الفتيات يتحلّقن من حوله فراشات حول الضوء، وأقول في سرّي أنهن فتيات المدينة يفعلن ما لا يحق لبنات الضيعة أن يفعلنه، وكنت أظن أن لا هموم لريشار إلا الصبايا كغالبية أبناء جيله. ما كنت أجهله، وطبعا ما لم أكن يومذاك لأفهمه، أن قبل نحو عامين، وتحديدًا يوم نداء الشيخ بشير الشهير لأبناء المناطق المسيحية، للالتحاق بالمقاومة في زحلة للدفاع عنها في وجه الاحتلال السوري، كانت غير رياح بدأت تعبث بروح الشاب الوسيم الهادئ.

كان ريشار يقف عند مفترقي طرق لا ثالث لهما، إما أن يلتحق بالدير ليكون كاهناً، أو يلتحق بـ”القوات” ليكون مقاتلاً! أي نقيض هذا؟! أو لعل الأضداد هنا هي في قمّة اللقاء، إما راهبًا لتخدم يسوع والرعية، أو راهب البندقية لتخدم يسوع ومجتمعا بأسره وأرضا محاصرة لم تعرف يوما كيف ترتوي من دون دماء شهدائها. وقبل أن يذهب الى “دير” الوطن حيث يعصف الخطرمن كل الجنبات، عصفت به رياح الرفض المطلق في البيت.

كان الخوف استبدّ بالأهل على وحيدهم، حذّره والده من الذهاب تحت وطأة مقاطعته نهائيا إذاما فعل، وحذّرته أمه تحت وطأة الخوف من أنها قد تموت إذا فعل: “إنت وحيدي يا إمي كيف بدك تتركنا وتروح”! فأجابها بكل حزم: “ويسوع كمان وحيد”. صمتت، لم تعرف بما تجيبه. “ما قدرت ردّ عليه لأن معو حق بس طلبت منو ينتبه قدّ ما بيقدر على حالو وما يتهوّر”.

كان مركزه في الدامور، تلك البلدة التي كانت شربت قبل أعوام قليلة كأس الموت والتهجير في واحدة من أقسى أيامها يوم أمر حافظ الأسد المسلحين الفلسطينيين آنذاك باجتياحها وذبح أبنائها، كان الشباب هناك يحرسون ليل الدامور ومحيطها، وكان مرّ على غياب ريشار عن بيته نحو الشهر، كل يوم كنا نسأل عنه: “شو الأخبار عن ريشار”؟ تجيب أمه: “نشكرالله منيح والشباب على طول على تواصل معنا”. وكل مساء أرى أم ريشار تمشي عند مدخل البناية في يدها مسبحة والبنات في الداخل لا تسمح لهن بالخروج خشية سقوط قذيفة ما من هناك أو هنالك “فوتوا لجوا بيكفيني خوف ع خيِّكن”… وكان الأخ الأكبر يقف ليلا في الوقت ذاته حين كانت والدته تصلي لأجله في المدخل، يقف قرب المتراس يراقب ليحمي خوفها، سقطت قذيفة، انفجرت…صار مع ثلاثة من رفاقه رهبانا عند يسوع يحملون الشهادة معبرا للقداسة.

عبرت الأيام، ذهب “أبو ريشار” مريضًا منهكا الى ابنه، وصمدت تلك السيدة الجليلة. ما زالت صوره مدروزة في قلب البيت وعند المدخل أيضًا، وكل صباح ومساء يستقبلنا وجهها المبتسم دائما “كيفنا اليوم؟” “الحمدلله يا بنتي أنا منيحة طالما كلكن مناح”. وعلى رغم التعب والمرض، إتكأت أم ريشار الى صورة إبنها وذراع ابنتها، وحلّت ضيفة من أهل البيت في قداس الشهداء في معراب، صلّت لريشار ولرفاقه “ورح إطلع كل سنة طالما فيّي روح… هيك بدو ريشار”…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

خبر عاجل