
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1517
كان في عين الحور، إقليم الخروب، صعد الى التلّة، كان يصد هجومًا مع قوات المغاوير في “القوات اللبنانية”، وكان أيلول بدأ يصبغ المساحات بورقه الأصفر هناك في الجبل، أصيب بشظية في رقبته، وبسرعة انتشل ضمادة من جعبته ووضعها علّه يوقف النزيف وهرع صوب الملالة حيث الإسعافات الأولية، أمتار قليلة كانت تفصله عنها لكن الطريق ابتعدت، وقبل أن يصل التفت الى رفاقه وما كانوا انتبهوا بعد أنه جريح وقال “أنا منصاب”، وهنا انتهت خطواته، وعاد روجيه عويس الى حيّاطة في قلب كسروان ليسكن قلب الشهادة…
بين الشوف وكسروان كانت مساحة نضال وحكاية وطن، كان وطناً مشلّعًا قبل أن يعود رباط الدم ليصل ما تقطّع بين أبناء الوطن الواحد، ولتتوحد الرؤية ويصبح العدو واحدًا، جيش النظام السوري، الفصائل الفلسطينية المسلحة.
يوم خرج روجيه من البيت، لم يذهب الى الجامعة كما كان يجب أن يكون، ذهب الى الحزب، التحق بآلاف الشباب المسيحيين ليفعل ما فعلوه، خرج عما يجب أن يكون وما تفرضه قواعد الحياة العادية ونمطية الأيام، الذهاب الى الجامعة لتلقّي العلم والتطور المهني والزواج والعيلة وما شابه، لم يلتفت الى كل تلك “الأدبيات” بل صفق الباب خلفه وكان بعد ابن السادسة عشرة، وقرر أن المدرسة والجامعة اللتان يجب أن يرتادهما الآن هما المتراس، هما القتال مع الشباب لأجل الوجود المسيحي الحر، لحماية المسيحيين من جيش حافظ الأسد والمنظمات الفلسطينية المسلحة والأحزاب اللبنانية الموالية آنذاك وكان العام 1976.
“ما كنا شايفين إلا إنو المسيحيين بخطر فتركنا كل شي وما سمعنا صوت حدن لا الأهل ولا الأقارب والتحقنا بهالشباب وركضنا تـ نردّ عن الناس الخطر” يقول صديق عمره الذي رافقه منذ الطفولة الى لحظة الاستشهاد.
غريبة تلك الميزة التي تحولت الى ما يشبه الصفة الجامعة بالشهداء كافة، كانوا كأن ريحًا ما ندهتهم، كأنهم كانوا يعرفون أنهم شهداء حتى وهم في عز الحياة، لم نكتب عن شهيد حتى اللحظة إلا وكانت أولى صفاته الشجاعة المطلقة وذاك التحدي “كان شجاع كتير وما يهاب حدن ولا أي موقف وبذات الوقت كان كتير مرح ومهضوم إلا بوقت القتال يعرف إنو هيدا وقت كتير جدي وما في مجال للمزح” لكن وفي أوقات الاستراحة، يدور روجيه على رفاقه يتفقدهم واحدًا واحدًا، يلقي نكاته هنا وهناك، يبث فيهم روح المرح والاسترخاء، إذ كان يعرف أن كل لحظة حياة إضافية كانت بالنسبة إليهم حياة كاملة، ويعرف أكثر من ذلك، أنه ورفاقه جاؤوا ليستشهدوا ليعيش باستشهادهم وطن. وهذا ما حصل.
تعرفه كل الجبهات، كان واحدًا من أولئك الذين قاتلوا في كل الأمكنة تقريبًا، لما نده الشيخ بشير للدفاع عن زحلة كان رأس حربة، اندفع ولم يسأل، حارب بشراسة وأصيب بقدمه ولم يتمكنوا يومها من نقله الى المستشفى، فخلع ثياب العسكر وأطلق عليه رفاقه اسم محمود ليتمكن من خداع السوريين وعبور الحواجز، وهذا ما حصل، ثم أصيب للمرة الثانية في معركة المطلّة، وقبل استشهاده في عين الحور أصيب بداية في يده فضمدها سريعًا وعاد فورًا الى القتال وكان المسلحون احتلوا البلدة والبرجين، فتم شن هجوم معاكس لاستعادتهما ونجحت العملية وارتد المهاجمون الى الخطوط الخلفية، وروجيه يتنقل من متراس الى آخر مثل عاصفة مجنونة في ليل كانون، كان عاصفة نضال، عاصفة حب، عاصفة رجل احتل الوطن قلبه ولما رأى محتلين يندسون لاقتلاع حبّه، جنت به العاصفة فاقتلع منهم ما استطاع قبل أن ينتزعوا منه أعز ما تمنوا، حياته.

لما سقط وجدوا ورقة صغيرة في جيبه كتب عليها بخط يده “عند حصول أي حادث الرجاء الاتصال بصديقي….” كان يعرف أنه سيسقط ليرتفع شهيدًا، لعله كان ينتظر تلك اللحظة لذلك كان يكثر من الضحك والمرح، وأيضًا يمعن في القتال كمن يجهد ليحرر أكبر مساحة ممكنة من الأرض قبل أن يرحل، ليرحل وقلبه مطمئن أنه فعل كل الواجب وأن الباقي يتكفّل به أبطال على شكله ومثاله، في ذاك الأيلول من العام 1983، وبعد سقوطه بساعة فقط وفي المكان إياه، وكانت المعارك عنيفة شرسة، استشهد في ما استشهد أيضًا، رفيق آخر له مناضل مثله، بطل له أيضًا حكاية مشرّفة وأهل وعمر وأحباء ومشروع وطن ناضل بكل ما كان له من عمر لأجل كرامته، استشهد رفيقه ميشال خوري، صار ذاك الجبل حكاية دماء وحياة، بارودة وزهرة، عمر وموت، وطن وأيضًا لا وطن…
لم تنس حيّاطة حتى اللحظة شهيدها، لا تنتظر أيلول لتحتفل مع الشهداء كافة بالشباب الأحياء فعلاً فينا، لأجل روجيه، وعيون روجيه، وتلك القامة الحلوة الممتلئة عنفوانا، وضعت له نصبًا تذكاريًا في البلدة وحديقة حيث غرزت أرزة خضراء جميلة باسم روجيه، هناك في قريته يفتخرون أن لهم شهيداً في السماء حفر له في الأرض خندقاً، وغرز بارودة ألصق صورة العذراء فوقها وصرخ “يا عدرا تحمينا” وأطلق الزناد… وبعد حين، ولما ظنّ كثر أن دماءه جفّت تبيّن أن التراب ما زال رطبًا، وما زال ترابنا لأن دماءهم ترويه، لأنهم شهداء لأجلها، لأن بقي لبنان…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسَ فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.