#adsense

إن ننسَ فلن ننسى: حكاية اسمها سمير وديع

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” العدد 1428:

ولِد في شباط وفي شباط استُشهد بعد 23 عامًا

كان قلقاً متوترًا من روح الشقاق التي يبثها عون بين المسيحيين

شقيقة الشهيد: كلنا فخورين بالبيت ومنشكر ربّنا لأننا “قوات

عند جسر الباشا انقطعت به كل الجسور. لم نكتب شهيداً استشهد في مكانه الأصلي، كلهم ذهبوا بعيداً، أبعد من حدود الضيعة أو المدينة حيث ولدوا ليذودوا عن الضيع كافة والمدن كلها. سمير وديع ابن مزرعة التفاح قضاء زغرتا، من الشمال الى بيروت لا مسافات تذكر بالكيلومترات، لكنها مساحات ضوئية حين نحكي “دفاعا عن لبنان العظيم”، حين نحكي استشهاداً لعمر ما عاش إلا ليدافع عن لبنان. هذه مساحاتهم الضوئية التي يجولون فيها ويحوّلون كل من معهم الى مشاريع فراشات تهرب الى الضوء حين تضطهدها شرانق الأرض.

 

هنا لا نحكي حكاية سمير وديع وحده، هذا انتقاص من الرواية، نروي حكاية عن بيت آل وديع. حكاية بيت تحوّل الى ثكنة والأوامر فيه ليست عسكرية إنما أهلية بمحلية، لأن عدد سكان البيت تجاوز الأولاد والأهل، ليصبح شباب “القوات” هم أصحاب البيت وآل وديع هم الضيوف. كانوا أربعة، تيريز وسمير وجورج ومارون وصاروا ثلاثة، غاب سمير… ابن شباط ولد في الرابع منه 1965 واستشهد في العشرين، بعد ثلاثة وعشرين عاما على الموعد الأول. كان رحيل مبكر جدًا، هذا هو شأن جميع شهداء المقاومة المسيحية، كلهم رحلوا في عزّ الزهر. طبعا يرحلون ليحيا لبنان، ونسأل بعد الرحيل هل فعل؟ لبنان ما غيره؟

لماذا شاب متفوق في الرياضيات والمعلوماتية أكمل تخصصه الجامعي بدرجة ممتاز، وكان مقدرًا له أن يسافر ليتسلّم أعلى المناصب، لماذا يبقى في لبنان يلبس درع المقاومة ويترك كل شيء ليلتحق بتلك  القضية؟

كان يرفض سمير وديع الإجابة عن هذا السؤال، كما انتفض لرفض الأهل التحاقه بـ”القوات اللبنانية” لشدة خوفهم عليه. عندما شارك في عمر الـ 16 في القتال على جبهة الشمال لم يسأل أحدًا، حمل الجعبة وجلس الى المتراس ومارس إيمانه. وعندما كبرت حكاية المقاومة في البيت المناضل ابتداء من الأب وصولاً إليه، ما عاد يملك الأهل الحجة الكافية لإقناعه بالعكس. كيف تقنع مناضلاً ألا يلتحق بالأرض وأنت الى متراس تحمل كل عنفوان القضية؟

 

البدايات التي جعلته مقاتل احتياط في ثكنة القطارة في عطلة نهاية الأسبوع لم تكن تكفيه، كان يخطط لأبعد من ذلك بكثير لأنه كان يعرف أن ذكاءه الحاد يجب أن يُستخدم لخدمة القضية و”القوات اللبنانية”.

عندما اُعلن عن تعيين دورة أولى للضباط التحق بها على الفور، وتتالت الدورات التدريبية  الى أن استلم دورات إعادة التأهيل في ثكنة ضبيه، وأصبح رئيس جهاز التدخّل.

“ببيتنا كنا عايشين العسكر لأننا كنا جميعا بالمجلس الحربي وكل تفاصيلنا بالبيت حياة عسكرية”، تقول تيريز أخت سمير. وتضيف: “كنا ثكنة زغيرة لأن رفاق سمير ومارون وجورج البعيدين عن أهاليهم كانوا يعيشون معنا وأمي تهتم بالكل وكان سمير يعتبر انو رفاقو متل اخوتو بالبيت ويتصرفون على هذا الأساس”. وتخبر تيريز أنها كانت في عطلة نهاية  الأسبوع تلحق باخوتها الثلاثة الى الجبهات التي يتوزعون عليها: “ألحق بمارون سيرا من النبعة الى الحدث وآخذ معي حقيبة الظهر وأحشوها بالأطايب له ولرفاقه”.

كان العام  1989 وكانت بدأت قصة ميشال عون، القصّة إياها، كان استشهد رفيقا سمير في ذاك الـ 14 شباط المشؤوم، كان حزيناً جداً وحاول تهدئة غضب الرفاق من حوله، كان مؤمناً أن الدكتور جعجع سيتمكن من التوصل الى حلول مع عون، ولم يكن ليتوقع لحظة أن حرباً قاسية مؤلمة مدمرة ستقع بين المسيحيين وستفرض بالقوة على “القوات اللبنانية”.

لم يكن مرتاحاً لأجواء العداء مع الجيش التي يبثها الجنرال “العظيم”. كان يقول دائما لرفاقه وأهله “مش معقول نفني حالنا الجيش هوي نحنا، نحنا ولاد الدولة كلنا ومش عون هوي العسكر”.

كانت المنطقة الشرقية آنذاك، في عز ازدهارها اقتصادياً وأمنياً لأن “القوات اللبنانية” كانت أحكمت قبضتها على مداخل المنطقة لمنع تسلل الغرباء أو السيارات المفخخة، وكانت عين الاحتلال السوري عليها عيون صقر تنتظر اللحظة المناسبة لتنقضّ وتحكم السيطرة على تلك البقعة المتمردة العاصية على حافظ الأسد ومخابراته. قصر بعبدا كان بدأ يقفل على مسرحه الكبير في استقبال الوفود الشعبية المؤيدة لجنرال الزمان، وميشال عون بدأ بتنفيذ غير مشروع تحت عنوان “توحيد البندقية”.

بعد حادثة 14 شباط وتنفيساً للاحتقان، أعلن الدكتور جعجع أن “الجنرال بيمون”. لم يعجب التصريح سمير وديع “شو هالمونة يا حكيم” كان قلقاً جدًا، “وكنا بلّشنا نخاف كتير على اخوتي والشباب خصوصاً بعدما خبّرنا سمير إنو طالع مع الحكيم ع قصر بعبدا”. كان الاثنين 20 شباط مرحلة الصوم، أخبر سمير تيريز قبل يوم أن الحكيم سيقصد الجنرال “وخلص رح تنحل كل القصص”، كان من المقرر أن يكون طوني عبيد مرافق الحكيم في ذاك الموعد، لكنه كان في النقاهة ورفض سمير أن يدعه يذهب وحلّ مكانه، “عطيتو كمشة بونبون قللي إنو صايم  بس معليش باخدهم للشباب بيتحلّوا فيهم وهني ناطرين. كانت هيدي آخر الكلمات التي سمعتها منو، كنت خايفة وما بعرف ليش. يوم حوصر أخي مارون في دير القمر لم أخف بهذا القدر”.

وخرج سمير الى موعده، عند جسر الباشا تماماً، ظهراً، وحين كان الموكب في طريقه الى  بعبدا انهال الرصاص، توقفت سيارة جعجع حاول الأخير الترجل منها فانتصب سمير بوجه الحكيم ليردّ عنه رصاصات الغدر. أنقذ سمير جعجع واستشهد سمير وديع ليحيا فينا وليحيا آخرون… عندما ضج الخبر في أروقة المجلس الحربي وعمت البلبلة المكان لم تفهم تيريز ماذا يحصل، ذهبت الى أخيها جورج تستفسر ما يجري، وقف بوجهها بشكل حاسم وقال لها: “سمير مش راجع أوعك تبكي صار عنا شهيد أنا متّكل عليكي لأنك قوية وجريئة وإذا بتبكي بقتل حالي”… لم يقتل جورج حاله ولكنه وتيريز ومارون والوالدة والرفاق بكوا، بكوا كثيرا لكنهم لم يسكنوا حيث تستسلم الدمعات، بل ذهبوا الى نضال جديد فرضته مرحلة الهيمنة السورية والنظام الأمني على لبنان كله.

لم يعش سمير وديع  تلك الحرب، حرب الإلغاء، لكنه شعر بخطر ما يتهدد كل شيء. كان قلقاً متوتراً مما يفعله عون وروح الشقاق التي يبثها بين المسيحيين، لكنه كان يتكل على قيادة الدكتور جعجع وأن لا قرار حرب عند “القوات اللبنانية” إلا لمواجهة الاحتلال السوري وأي تنظيم مسلح يسعى لاحتلال لبنان، لكنه لم يكن يتوقع أن تأتي الضربة من القلب. والغريب أن سمير الذي كان يحتفل كل سنة بعيد ميلاده مع أخيه مارون كان أخبر تيريز أنها السنة الأخيرة التي يحتفلان معا: “وقررت أعمل عيدي لحالي السنة الجايي” وهذا ما حصل…

 

البيت القواتي الذي تحول ثكنة، لا يزال بيتاً قواتياً مرموقاً مكللاً بنضال الشهيد والأحياء المقاومين، “كلنا فخورين بالبيت إنو نحنا هيك، منشكر الله لأن نحنا قوات”. ولأنهم كذلك لم توفّر الأجهزة الأمنية الشباب. اعتقل جورج وعُذّب واضطهدت عائلته، لوحق مارون كما كل مناضلي “القوات”، عاشت تيريز الغربة القسرية مع أمها في أوستراليا وكانت الوالدة طلبت أن تدفن قرب سمير في مزرعة التفاح، ونقل سمير من جدايل جبيل الى حيث يطفئ شموع عيده لوحده، بينما يشعل لأجله آلاف الرفاق شموع صلاة لا تطفؤها لا رصاصة غدر ولا زمن أسود عابر في صفحة لا يريد أحد أن يفتحها، إلا ليتفقّد من سكنوا السطور ليكتبوا للأرض حكاية موجعة ربما لكنها هي الحكاية، ولولاها لما بقيت كتب ولا حُفرت سطور ولا حملت يد قلمًا لتكتب حكاية سمير وديع ومن يشبهه من المقاومين المسيحيين الحقيقيين لأجل لبنان.

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

 

خبر عاجل