
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1491:
يا حارس الجرد، الأبيض فلش النقاء، كانون يروي حكاية في ليلة برد، ليلة دفء، ليلة ولد المسيح خرج بطل من صفحات حكاية، ذهب يروي لطفل المزود كيف ولد لبنان من بعده ومن أي رحم توالد الثوار الذين تشبّهوا به على مرّ الأيام، في ليلة ميلاد ذهب “شلومو” الى مغارة يسوع ليشهد على الزمن الآتي، وترك هنا سليمان عقيقي في إطار صورة على صورة قلب في قلب وطن…
نقول إنك بخير ونحن لا، والله لسنا بخير ودعك من كل ذاك الشعر المنثور هناك وهنالك الذي يخبرك عن أننا ما زلنا نقاوم نصارع نناضل، نحن نفعل لكننا وكلما خطونا فشخة الى الأمام، نجد من يشد بنا الى قعر القعر وأنا أعرف أنك تعرف وترى…
سؤال، عندما استشهدت ماذا رأيت؟ ماذا ربحت؟ ماذا تفعل هناك سليمان؟ لا تجب سنجيب عنك، لا نملك غير ما نملك، أن نسألك بصيغة الحاضر، ونخاطب ما بقي منك فينا وحتى اللحظة ومنذ 23 عاماً، وأنت ما زلت هنا بكامل وجودك!
متى دخلت المقاومة المسيحية؟ منذ قبل أن أولد، كان لبنان كله بدأ يقاوم الفلسطيني المسلّح، في الثالثة عشرة من عمري ما عدت أتحمّل، تركت كل شيء، رحت الى “الكتائب اللبنانية” قلت لهم أنا مقاوم حمّلوني البارودة والجعبة، وذهبت أزرع الجبهات من دمائي، عند كل متراس لي قطرة هناك غرزتها لينبت مكانها مقاوم آخر وآخر وآخر.
.jpg)
في حرب السنتين أصبت ولم أُبالِ، عبرت بي الأيام وأنا أسكر بالدفاع عن وجودنا، التحقت بداية الثمانينات بـ”القوات اللبنانية” ومذذاك اليوم وأنا أتكلل بالغار، أعمّد المقاومة من خطواتي، من وقع بندقيتي وبندقية الرفاق العاشقين لقضيتهم، من حرارة انتمائنا الى أرض تعشق الشهادة، كنت لها، للأرض، ومعها في كل ذرة تراب قبل أن أصبح من ترابها.
يا رجل أنت أصبت أكثر من مرة ألم تشبع حروباً وتضحيات وجروحاً؟ أنتِ لستِ مناضلة وإلا لما سألتني سؤالاً مماثلاً، أنا سليمان عقيقي ابن كفردبيان، أنا كنت قائد وحدات التزلج فوق فوق في أعالي عيون السيمان حيث الغيم جارنا، جعلت من الثلج ناراً تحرق جيش النظام السوري والعملاء، جعلت من النار ثلجاً تبرّد قلوب الأمهات اللواتي أصبحن ثكالى بسبب المحتل الوقح، أصبت في مواجهات سوق الغرب ثم في ذاك الـ 14 شباط الشهير وكانت إصابة بالغة، حملت جرحي وعدت الى حيث أنتمي، الى المتراس، ثم عدت وأصبت في حرب الإلغاء تلك، ولم أتراجع، كنت أعرف أننا لو تراجعنا لانتهى وجودنا في هذا الشرق، وأننا نحن وليس أحد سوانا، حماة هذا الوجود، هذا كان إيماني ونضالي وعنفواني أيضا.

لكنك أصبحت شهيداً، شهيداً يا سليمان لأنك فعلت ما فعلته، لأنك لبست البزة الزيتية ما غيرها، وذهبت بعيدا في المواجهة، لم تخف، لم تتراجع، لم تتردد، وحتى الآن وعلى رغم غياب 23 سنة، يكتب الرفاق والأهل والأصدقاء عبر صفحتك كلمات الوداع واللقاء كأنك ابن اللحظة.
“من عمر 13 سنة وأنا لاحقو إلا نهار لـ استشهد ما كنت معو” يقول أخوك إدوار بصوت مبحوح، لا زال صوته مجرّحاً بالفراق، فمتى تقرر يا رجل أن ترحل فعلا؟

“سليمان عايش معنا بكل لحظة بعدو ما فلّ” تقول أختك ريما. أنت موجود في كل الزوايا، عند كل مفترق، في أعياد الميلاد والفصح وعيد الحب، تمر على الأهل تلقي التحية وترحل سريعًا لأن الجبهة لا تنتظر، تزوجت باكرًا، أصبح لديك رالف ورودولف، كان رالف في الثانية من عمره، ورودولف في الرابعة حين ذهبت ولم تعد إلا طيفاً روحاً طيبة ثائرة في الدنيا، ألم تشتَقْ لطفليك؟ “صاروا شباب بياخدوا العقل، رالف ضابط بقوى الأمن، ورودولف مهندس بيعتبروا بيّن بطل وشايفين حالن فيه قد الدني، وكل يوم كل يوم منذكروا بصلاتنا هوي والشهدا” يقول إدوار عن إبنيك، هما بخير، بألف خير لأنهما اعتنقا الكرامة، مثلك تمامًا، ذهب أحدهما الى الوطن ليخدمه عسكريا ببدلة الشرف، والآخر الى الهندسة يبني وطناً يحلم به من منظار أبيه البطل، “يللي خلّف ما مات يا شلومو”.
.jpg)
بقي تفصيل يا رفيقي الذي لم أعرفك، إنما قرأت عنك كمن قرأ ملحمة بطولة في إلياذة أسطورية، قالوا إنك كنت طيب القلب حازمًا شجاعًا، قائدًا، لا تهاب الموت، ما أعرفه رواية استشهادك، وأكره هذه الرواية، كانت الحرب انتهت، دخل الاحتلال السوري مقلة العيون، كثر العملاء، صاروا كالنمل ينغلون في جسد الخير.
سلّمت “القوات اللبنانية” سلاحها للدولة تنفيذاً لاتفاق الطائف، طافت بنا الأيام الى الاعتقالات والملاحقات، صار عندنا ما يسمى النظام الأمني اللبناني ـ السوري، وتعرفون الباقي، كان سليمان في ضيعته كفرذبيان، ليلة الميلاد كانون الأول 1992، ذهب الى الحلاق ليقصّ شعره، ولما خرج استقبله كمين مجرمين حوّلوا الشباب الى رسالة عابرة لكل من يريد أن يستمر في اعتناق لبنان قضية، وخصوصا خصوصًا كوادر “القوات اللبنانية”. من عمر المسيح كنت، الثالثة والثلاثين وذهبت إليه في ليلة مولده، أنت ذهبت وسرح المجرمون بوقاحة العالم على عيون الأهل والأبناء والبلدة والقانون، اعتقلوا لبعض الوقت وهم الآن أحرار، أحرار ما زالوا يسرحون بقوة زعماء لا يقلون عنهم إجراما وعمالة.

“كنا ناطرينو على عشا الميلاد وبعدو لهلأ ما وصل”. ذهب حارس الجرد ليحرس الغيوم كي تبقى تمطر علينا من خير السماء كل الكرامة، من روح يسوع كل المحبة “يا رفيقة أنا لا أرحل حتى لو فعلت. هل رحل شهيد من مفكرة القضية؟ هل استشهد رفيق بعد رحيله؟ هل ارتاحت القضية لنرتاح، أسألي أطفالي، اسألي أخي أختي أهلي رفاقي هل رحلت وتحرر الوطن لنتحرر من أسر الوجود واللاوجود في آن؟” يا رجل لو كنت رحلت فعلاً لما كتبنا ونكتب عنك وعن الرفاق، أنتم حبس الحب الذي يأسرنا في القلب فكيف نتحرر من الشوق الى العناق؟…
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.
*هذه الصور خاصة لمجلة “المسيرة”