كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1426:
صارت المهمة صعبة، أن تكتب عن شهداء المقاومة المسيحية. عند كل واحد منهم يظن القلم أنه لن يكتب الأفضل لأن البطولة في العادة تكون حصريّة. ليس كل الناس أبطالا ولا هم يشبهون بعضهم، لكن شاء التاريخ في لبنان أن يشهد على حكايات مقاومين، قد لا تشبه بعضها في التفاصيل الصغيرة، لكنها واحدة في التفصيل الكبير، الدفاع عن لبنان.
لذلك انضم سهيل منسى الى المقاومة المسيحية. لم يطلب منه أحد ذلك. كان في التاسعة عشرة ومن المفروض أن تسكنه غير أحلام، لكن واضح أن من كُتبت على صفحاتهم سمات الأبطال يمضون في مصير مغاير للناس العاديين، وهو لم يكن شابا عاديا.
كانت مضت أربعة أعوام على الاحتلال السوري للبنان. نغّص المشهد كرامته. كان يعيش ضيقا ولم يعرف كيف يفجّر كل هذا الحب الدفين للأرض. ابن حلتا الشمالية. كان يراقب أداء والده الذي كان رئيس قسم الكتائب في البلدة، وذات يوم دخل المحتلون بيته وأرضه وأحرقوا ما طاب لهم من قلوب الناس الشرفاء الذين رفضوا الاستسلام لهم. هجّروا من الشمال وسكنوا قلب المناطق الشرقية التي كانت بدأت أعراس المقاومة.
دشّن الكرامة بأولى معاركه في الشمال بعد حرق منزل الأهل انتقاما، واحتلال السوريين للمنطقة.
ترك المكان وبقي فيه، وتعهّد بأنه سيعود إنما على ظهر دبابة لتحريره من الاحتلال. كانت مسألة وقت ونضال. في العام 1980 انضم الى “القوات اللبنانية” والتحق بالدكتور سمير جعجع في ثكنة القطارة، ومن هنا بدأت غير حكاية عن مقاوم يشبه الكثر من رفاقه في البطولة، وبذات الوقت لا يشبه إلا نفسه كما كثر من رفاقه أيضا.
هنا تتشابه حكاياتهم عندما يصبحون جنودا يعيشون الجبهات وتصبح البنادق منازلهم. لبس الزيتي، نفض عن حياته كل تفصيل لا يتعلق بالمقاومة وبدأ المشوار. من جبهة الى أخرى كان مصرًّا على المشاركة في كل معركة عنوانها حماية الأرض من السوري المحتل، ومن المنظمات الفلسطينية المسلّحة الطامعة بالوطن البديل آنذاك. حرب الجبل، شرق صيدا، معارك الشمال… لم يخلع عنه الزيتي، صار لصيقا به كجلده وكان يعرف تماما أنه مشروع شهيد كما كل رفاقه. لذلك لم يكن يكترث ومضى في النضال وكأنه ذاهب الى الحقل ليحصد ثمرة المقاومة، وعند كل عملية عسكرية ناجحة يعتبر أنه حصد بستانا وإن بقي الكثير بعد من بيدر الحقل ليحصده.
كان يحاول دائما أن يخفف من وطأة خوف رفاقه وـهله عليه ممازحا “ما في مهرب من الموت بس انشالله ما موت بشي منطقة غريبة ويرمونا ببراميل الزبالة”.
قبل النوم يقرأ الانجيل ويغفو على كلمات المسيح بينما يغفو الإنجيل فوق صدره. كان حادّ الطباع ولا يخاف شيئا “قبضاي بالشكل والمضمون مع قلب كبير وطيب” يقول أخوه. القلب الكبير الشجاع جعله في موقع المسؤولية المتقدمة إذ أصبح قائد كتيبة القوات الخاصة.
أربع مرات أصيب في مواقع مختلفة. لم يكن يبالي، يمسح جرحه ويذهب الى معركة أخرى وهو بعد جريح. هكذا كان يفهم المقاومة، نلملم الأشلاء ونمضي الى حب جديد، ولم يكن أعظم لديه من حب الكرامة حين ترفرف فوق الأرض التي غمرته بالعز… العزّ في التراب؟! أي عز هذا حين تبتلع الأرض إياها ابن التاسعة والعشرين؟! “شو حلو الإنسان يستشهد صوب المناطق العالية تحت شي أرزة ونبعة مي والسما الرزقا الصافية”. هو الحلا بعينه لكن أمنية سهيل لم تتحقق، لم يستشهد في الموقع الذي تخيّله بل حيث لم يكن يريد ولم يتخيل يوما، في حرب الالغاء ما غيرها.

كانت آخر معارك “القوات اللبنانية” قبل احتلال الجيش السوري لكل لبنان. كان ما زال يعاني من إصابة بقدمه، ما كان يجب أن يكون هناك في أدما، لكنه صر على الذهاب للبقاء قرب رفاقه “ما رح اتركن لوحدن وجودي بيخفف عنن وقد يغير وجهة المعركة”. حتى الحكيم نصحه ألا يذهب، تمرد على الأوامر وذهب كما العادة في طليعة المقاومين. كان يكره تلك الحرب ويقول إنه عاش ليقاتل من أجل حرية البلاد وليس ليدخل ملزما حربا بشعة فرضت على المسيحيين تحت شعار زائف هو الدولة بدل الدويلة.
كان مستاءً لأن الاحتلال كان يتربص ويراقب وينتظر اللحظة المناسبة لينقضّ على كل لبنان، لم يعش ليرى تلك اللحظة المدمرة لكنه عاشها قبل استشهاده وعرف أنها آتية لا محالة. ضمّد جرحه وهرول الى مصيره في أدما، كان شباط، 21 منه في العام 1990، اصطادته رصاصة قناص في الرأس مباشرة فتوقف القلب الكبير، وضع نقطة على السطر لعشر سنوات من دون استراحة من الحب اللامتناهي.
هو الآن في تراب حلتا تحت الشمس والسماء الصافية الحلوة التي حلم بها. الأرزة التي كان يريد أن يستشهد تحت أغصانها، أزهرت الكثير من الأغصان التي ساهم والكثير من رفاقه في أن تبقى خضراء. أكيد هو الآن ليس مكتفيا تماما، يعرف أن لبنان عاد الى حافة الخطر لأن “مقاومين” آخرين سرقوا المقاومة الحقيقية لينهبوا فيما بعد تاريخ الأرض التي سكنوها وتسكنهم بروح الشهادة والكرامة، لكنه متأكد أيضا أن الأرض التي ترشح زيت مار شربل والقديسين، وترتوي من دموع آباء الشهداء وأمهاتهم، هذه أرض لا تنتهي، لذلك سهيل منسى حي في كل روح تنبض من روح هذه الأرض…
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.