#adsense

إن ننسَ فلن ننسى: الشهيد طوني اسطفان… يا شاباً نائماً في العز

 كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1464:

في المرة الأولى، أعاده والده الى البيت، وفي العاشرة عجز عن ذلك، فبقي طوني اسطفان في الثكنة، وما عاد يوما طالبًا في المدرسة ولا صبيًا يسرح في عبثية الحياة، بل صار مقاتلاً وهو في الخامسة عشرة من عمره، كيف تكتب شهيدًا بهذا الشباب؟!

لا أحد يعلم كيف تنغل الأرض في عمق إنسان، لا أحد يتنبّأ كيف تلتف جذور قضية حول قدر إنسان لتجعل منه غير إنسان في غير المكان المقرّر أن يكون فيه. ذات صباح شتوي في بشري وكانت بداية العام 1990، لبس طوني ثيابه على عجل، حمل حقيبة المدرسة وقال لوالديه “أنا رايح ع المدرسة”. قبّلهما بحرارة وكأنها المرة الأولى بعد طول فراق أو المرة الأخيرة قبل الفراق، وذهب. إتصلت المدرسة بأهل البيت تسأل عن غياب طوني عنها ولم يعرف الأب ما يجيب، وإذ بشباب من “القوات اللبنانية” يصلون بيت أبو طوني ويعيدون إليه ابنه الوحيد، بعدما كان التحق مع رفاق له في الصف، بأحد مراكز الشباب طالبين نقلهم الى معسكرات تدريب أو أي جبهة قريبة للانضمام الى رفاقهم. كانت بداية حرب الإلغاء، كان الحقد مدافع أكبر بكثير من راجمات النار. رفضت القيادة التحاق طوني وطلبت أن يكمل دروسه وعدم إضاعة عامه الدراسي. عاد خائبًا وبقي حزيناً الى أن فعلها مرة ثانية ورابعة ومرات ومرات. كان مصرًّا على المتراس، على لقاء سمير جعجع والشباب، على لبس البزة الزيتية تلك ولم يكن الوقت حان بعد.

جاء ذاك الشباط من تلك الحرب، هرب طوني من البيت، ذهب والده لاسترداده فلم يجده، أخبروه أنه ذهب سيرًا مع رفاق له الى ثكنة القطارة، لحق به الى هناك، رفض بشكل قاطع العودة، تمرّد بشكل غريب على إرادة الأهل، فتدخّل الضابط المسؤول حينذاك بعدما علم أن طوني لن يعود الى بيته مهما كبرت الضغوطات من حوله، وطلب من “أبو طوني” العودة مطمئنا “خلص اعتبروا ابني وما تعطل همّو رح يكون تحت مسؤوليتي ومراقبتي يا أبو طوني”، واستسلم الوالد وذهب يخنقه الخوف على وحيده…

حقق طوني حلمه. المراهق الذي لم يحلق ذقنه بعد، صار مقاتلاً. دخل مخيمات التدريب، حمل البندقية، أعلن ولاءه المطلق للبنان، قال إنه سيقاتل الاحتلال السوري حتى آخر أنفاسهم في لبنان. حاول الشباب في الثكنة أن يهدئوا من صخب الثورة فيه، كانوا يخافون عليه من نسمة، من طير الطاير، وحيد لأهله أخته الصغيرة لينا ابنة الثانية عشرة، كانت تنتظره لتكمل معه اللعب في بساتين بشري، بشري الضيعة الصغيرة البلدة الشاسعة التي لم يكن خرج منها الا الى الثكنة. لم يُسمح له بطبيعة الحال أن يتولّى جبهات مواجهة، كان القتال ليس مع العدو السوري بل ضد أطماع شخص حوّل البندقية المسيحية الى مقبرة كرامة. سُلّم مهمات كثيرة عند بعض الحواجز وفي قلب الثكنات، وكان في الوقت ذاته يخضع لدورات تدريبية متتالية.

جاء حزيران، كان شهر قلب يسوع، بدأ الطلاب في الضيعة يستعدون لامتحانات آخر السنة، كان طوني أصبح في مخيّم تدريب في مشمش جبيل، وبدل أن يحمل كتبه ليدرس تحت سنديانات وأرزات بشري، ويلاحق الصبايا بشيطنة المراهقة وقصائد الغزل وحب البدايات،  حمل البندقية وأعلن حبّه لها، ومرّغ وجهه بوحل التراب ليتعلّم كيف يتمرمغ في الخطر دفاعا عن هذا التراب. كان صباحًا حارًا، خرج مع الشباب في دورية وبعض المهمات العسكرية، سُمع إطلاق نار، عاد الشباب سيرا وحده طوني كان محمولا ينزف منه لبنان…

 

منذ حزيران 1990 لم تُعلَق صورة له على حائط بيته، رفضت الأم ذلك، رفض الأب أن يراه في صورة شهيد. كان طوني قضية البيت وكل الحياة بالنسبة إليهم، وكي يذهب للقائه سريعا، قرر الوالد الاستسلام لأمراضه، اُصيب بالكثير منها قبل أن يحقق غايته ويذهب سعيدًا الى لقاء طوني.

 

“فكّرت لفترة إنو أهلي كانوا بيتمنوا أنا موت بدل طوني وطبعا كنت غلطانة، إمي ما كانت تتحمّل تشوف صوَرو من سنتين بس رجعنا علّقنا صورة لطوني… خيي شهيد وصحيح مات بكير بس هيدي حكاية كرامة ببيتنا ومنفتخر فيه وبحب نحكي عنو”، تقول لينا التي حملت حزن البيت صحيح، لكنها حملت أيضا ذكرى طوني الذي لم تنسه بشري حتى الآن، طوني الطالب المجنون بحبّ “القوات”، الذي لم يعش العمر كفاية ليعرف أن الحب حكاية استمرارية تتناقلها القلوب والأيام، وأن قصيدة الشعر التي تحكي عن الوطن تبدأ أولى حروفها بإسم الشهيد، وتنتهي آخر صفحاتها مع أسماء الشهداء. يا شب أنت في المراهقة وتنام في العزّ لو عشت أكثر بعد على أي مجد بعد كنت لتتربَّع؟…

 

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

 

 

 

خبر عاجل