#adsense

إن ننسَ فلن ننسى: الأب نيقولا: يسوع بقدّملك حياتي… وفعلها

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1508:

كان أصبح الأب المتواضع جزءًا لا يتجزأ من أهالي برقا والبقاع الشمالي عموما، هولندي الأصل هو، لبناني الانتماء، إنساني الأبعاد، قلبه حيث يجد محتاجاً، إيمانه حيث يهيمن الظلم، صلاته حيث تخضع القلوب الضعيفة لهيمنة القوي المتسلّط، كان الأب نيقولا كلويترز، ولأنه سكن الإنسانية وجعلها بيته الأول والأخير ورفض التخلّي عن ذاك العرش، قتلوه وصار مثل سيّده، أول الشهداء يسوع المسيح، صار شهيداً وسكن حكاية ما حلوة مرة من حكايات نضال لبنان…

في وطنه الجميل، وطن الورد والتوليب، سمع عن لبنان فإختار أن يكون أرض رسالته، عرف بقلبه أن هذا الوطن هو رسالة بحد ذاته، جاءه كاهناً شاباً حيث عيُّن في دير تعنايل في قلب سهل البقاع لخدمة القرى المارونية الفقيرة النائية شمالاً وحيث الأغلبية المسلمة. اندلعت الحرب واندلع معها نزاع الطوائف، لم يتردد الكاهن الشاب في أداء مهمته، فجعل من دير تعنايل مكاناً لانطلاق رسالته الى تلك القرى، من دير الأحمر الى بشوات وكل ذاك المحيط، ولم يقبل إلا أن يعلن نذوره الأخيرة الاحتفاليّة في العام 1977 في كنيسة سيدة بشوات العجائبية، حب قلبه وتعبيراً عن إيمانه بكل ما يرشح من هذه الأرض من بخور وحضور مدوٍّ للرب يسوع وللعذراء مريم، ومن بعدها انتقل ليعيش في قرية برقا وهناك نسج حكاية…

جلس الأب كلويترز سعيداً مستسلماً تحت أنامل الحلّاق يشذّب له شعره، لم يكن حلاّقاً بالمعنى المهني للكلمة، إنما هو واحد من أبناء برقا، تلك القرية البقاعية الحلوة التي شهدت لنشاطه الإنساني والرعوي في البلدات المحيطة كافة، جلس تحت تلك الأنامل مبتسماً سعيدًا، فمن قصّ له شعره إنما كان يحاول أن يظهر له بعضاً من امتنان أهل بلدته لما يقوم به من أعمال خير في المنطقة التي لم تكن حكراً على المسيحيين وحدهم، إنما للمسلمين أيضا حيث كثّف الأب الشهيد وجوده لرعاية هؤلاء والاهتمام بالمحتاج من بينهم. هناك في برقا رمم الكنيسة حيث عمّد أطفالاً وأجيالاً وبنى قبل الحجر الإنسان، ثم بنى بيتاً للكاهن ومدرسة وديرًا ومستوصفاً، وكل ذلك بالتعاون مع أهل برقا الذين حضنوا ذاك الحب الكبير وقابلوه بحب واحترام أكبر.

ما عاد الأب نيقولا الذي أتقن منذ بداياته اللغة العربية، لم يعد مستشرقاً ولا أجنبيا، صار لبنانياً من البقاع الشمالي، صار مارونيا من جبل لبنان، صار لبنانياً ابن الجبل والأرض والسهل وكل تلك المساحة المغروزة خيرات في قلب الوطن، صار نسيجاً من تلك العائلات التي تنتظر خيره وحبه وإنسانيته، كان كاهناً للمسلمين قبل المسيحيين، للمعذّبين للمضطهدين والفقراء والمرضى وكل من يصرخ يا عدرا ولا يجد قربه من أهل الأرض من يستجيب.

كان العام 1985، والاحتلال السوري ينهب المساحات ليتمكن من الأرض المتمرّدة عليه والمقاومين الرافضين لاحتلاله، وكان ثمّة عملاء متعاونين من كل الطوائف، لم يعجَب هؤلاء بما يقوم به ذاك الكاهن الذي صار رمزًا للإنسانية، وذات ليلة وكان 13 آذار من ذاك العام، وبعدما أنهى قداساً لدى راهبات مستشفى الهرمل، وفيما كان عائداً الى برقا حيث ينتظره الأهالي صباح كل يوم كعادته، لم يصل الأبونا.

ومضى سبعة عشر يوماً والأب نيقولا في الغياب والغموض والخوف الكبير على مصيره، وسط أخبار عن استهداف رهبان ومسيحيين في أكثر من منطقة، وفي اليوم السابع عشر وبعد محاولات بحث مضنية من أهالي المنطقة جميعاً والقوى الأمنية، وجده راعٍ كان يرعى قطيعه في الجرد فلاحظ مجموعة غربان تحوم حول شيء ما في قعر وادٍ سحيق، وبعد جهود مضنية وصلوا الى القعر ووجدوا الكاهن جثة مشوّهة مصابة بطلقين ناريين بعدما كان تعرّض للتعذيب والتشنيع!! كانت صدمة عنيفة تعرّض لها سكان البقاع الغربي والشمالي وخصوصا أهل برقا الذين اعتبروا أنهم فقدوا ابناً لهم.

اقيمت الجنازة في 3 نيسان في دير تعنايل وكان زمن الصوم، أسبوع الآلام، وسط غضب وحزن لا يقارب، بكى الجميع وبحرقة الكاهن الذي رسم درب المسيح بخيوط المحبة لكن المحبة عند الحاقدين تتحول الى لعنة، ظنوا أنهم بقتله سيحوّلونه الى غبار عابر في الزمن، فإذ به يتحوّل الى حكاية مسيحية إنسانية بامتياز، حكاية رسول من رسل يسوع، تلميذ من تلاميذه الذين شهدوا للحق، للنضال لأجل المحبة، تحوّل الى واحد من أولئك الكهنة الذين وعبر التاريخ، توزّعوا في مجاهل الأرض وحملوا جسد يسوع واستشهدوا، منهم في الأنهار وآخرون في الوديان وهم يحملون القربان المقدس، استشهدوا وهم يبتسمون لأن يسوع ورغم ما تعرضوا له من عذاب، كان يرسم البسمة بلسمًا على شفاههم حين كان يتسلمهم شهداء من أيدي البرابرة والوحوش.

كتب الأب نيقولا في آخر ما كتب: “أيها الآب القدوس أقدّم لك حياتي فداء عن إخوتي من الإسلام ومن العالم كله فأقبل تقدمتي مع ذبيحة جسد يسوع ودمه…” هذه كانت هديته لقاتلية…

يكفيه أنه سقط شهيداً في الأرض التي أحب وحيث أراد أن يكون شاهدًا.

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

 

 

خبر عاجل