
الساعة الرابعة والنصف تماما اُقفل خط رمزي ولا يزال حتى الساعة، كان 7 آيار 2002، وكان زمن الاحتلال السوري، وكان حكم الجهاز الأمني اللبناني – السوري، وكان يجب وبأي طريقة وبأسرع وقت إسكات ذاك الناشط الذي لا يخاف في “القوات اللبنانية”، المهندس رمزي عيراني، خطفوه ومن هناك ابتدأت الحكاية…
من وقت لآخر كنا نسمع عن نشاط لقطاع المهندسين في “القوات اللبنانية”، خي كانت طاقة من تلك الطاقات التي تتسلل منها الحرية بقوة عبر ثقوب الاحتلال، لتثبت أن “القوات” ما زالت موجودة وناشطة، وأن النضال مستمر بطريقة أو بأخرى، كانت قداديس شهداء المقاومة اللبنانية، نشاط ستريدا جعجع وذاك البيت في يسوع الملك، مواقف بطريرك الاستقلال مار نصرالله صفير، أخبار الاعتقالات المتواصلة للمناضلين المتمردين على الأمر الواقع وعلى منظومة أجهزة أمن الوصاية، وأيضا أخبار رمزي عيراني ذاك المهندس الساحر الشاب الذي تحدّى كل التحذيرات، وتجاوز كل المعوقات ليبقى نشاط المهندسين وليبقى اسم “القوات” يتردد دائما في ضمير من ينتظر سماع الاسم ليحيا الأمل بالتحرر والاستقلال، وفي آذان من يكرهون سماع الاسم، ومن ظنوا أنهم باعتقال سمير جعجع دفنوا “القوات اللبنانية” ومعها شباب لبنان وروحهم وانتفاضتهم.
نعود الى البداية، لا بد من عودة وإن كانت محفوفة بالمرارة وبعض من دمع ما زال يكرج مالحا عندما تتحدث رمزي عيراني. عند كل 7 نوّار نحكي عنه ولا نستطيع إلا أن نفعل. كان بدأ يشعر أن الخناق يضيق من حوله، كان مراقبا خصوصا أن إصراره على استمرار نشاطه كمسؤول عن دائرة الجامعة اللبنانية في مصلحة الطلاب، كان مرفوضا من قبل الجهاز الأمني، أمر طبيعي عندما يكون هدف الاحتلال وأزلامه تطويع كل الناس ليصبحوا جميعاً عبيداً في بلاط الديكتاتور، لم تكن “القوات اللبنانية” تقف في ذاك الصف، خرجت عن النظام العام وبدأ تخرّج من صفوفها تباعاً الشهداء والمعتقلين هنا وفي تلك الشام المحتلة من ذاك النظام.
كان رمزي لا يهدأ وأزلام الاحتلال أيضا لم يهدأوا في الجري خلفه، مطاردته في كل التحرّكات، ليلاً ونهاراً، ثم بدأت تنهال عليه التحذيرات والاستدعاءات، ثم بدأ يشعر أنه ملاحق من قبل سيارات مجهولة وأشخاص مجهولين يتبعونه في كل خطوة وكأنهم يتعمّدون أن يعرف بوجودهم علّه يتوقف ويستكين في الخوف، ولم يفعل، الى أن كان ذاك اليوم…

الثلثاء السابع من أيار 2002، صار 7 آيار ذكرى لبنانية قاتلة على المستويات كافة، لنا 7 آيار “مجيدة” في الخطف والقتل، وللوطن 7 آيار أخرى “مجيدة” أيضاً وأيضاً في القتل والاستباحة وتطويع وطن، كله إحتلال يا رمزي، كله نضال يا صديقي الذي لم أعرفه يوما لكنه كان من أعز الأصدقاء وأنبلهم…
ذهب رمزي ذاك الصباح الأسود الى عمله في منطقة الحمرا، على أن يعود قريبا للاحتفال بعيد ميلاد ياسمينا ابنته، مع أخيها جاد وجيسي زوجته، عند الرابعة والثلث اتصل رمزي بجيسي قبل دقائق من خروجه من مكتبه فذكّرته بضرورة المرور قرب أوتيل فينيسيا لإصطحاب شقيقتها سينتيا لحضور عيد ميلاد ياسمينا، أكد لها ذلك، الرابعة والخامسة والثلاثين أعادت جيسي الإتصال به فوجدت الخط مقفلاً، كررت المحاولة وتكررت النتيجة، لم يأتِ رمزي ليصطحب معه سينتيا، ولا عاد مساء ليطفئ الشمعات الخمس لياسمينا حبيبة قلبه، وعبرت الساعات وبدأت تتسلل الأيام والخط مقطوع…
.jpg)
قمّة السخرية أن تكون مضطراً أن تسأل القاتل عن القتيل وأنت في قرارة نفسك، بإحساسك الداخلي، بالحدس القوي الذي يقرع بقوة على باب الإحساس والقلب، تعرف أنك تتوجه مباشرة بالسؤال للقاتل ولا أحد سواه، ولكن لا تملك الخيار إلا أن تفعل، فهو السلطة وهو الآمر الناهي، وهذا ما فعلته جيسي وعائلة رمزي وأصدقاؤه ورفاقه في الحزب والنضال، توجهوا الى الجهاز الأمني ما غيره، برئيسه آنذاك ما غيره ليسألوا عن رمزي!!
هذه سخرية فاقعة لا توصف، سألوا أين رمزي، وكانت الأجوبة فيها الكثير من الالتباس ومحاولات الإيحاء بأن المناضل كان يخرج مع نساء كثيرات وأن اختفاءه لأسباب أخلاقية وما شابه، وأن الأجهزة تعمل “جاهدة” للبحث عنه، ودارت الدوامة بعائلة رمزي، دوامة الخوف والقلق في انتظار ما سيأتي، عرفوا أنه استشهد قبل أن يعرفوا، كانت كأنها نتيجة حتمية، استشهاده بطريقة مدوية، ولا مرة لا يكون الموت إلا مدوياً فكيف حين يُخطف مناضل ثم يُقتل بوحشية مماثلة ويُرمى بوحشية أكبر في صندوق سيارة ويُنتسى عمداً على قارعة شارع لتفوح رائحة الجريمة، علّ الرائحة تكون هي الدرس لكل مناضل مشابه!!
وجدوه بعد نحو عشرة أيام في شارع كراكس في الحمراً مرمياً في صندوق سيارة، فاحت منها رائحة الموت وأرسلوا عبره الى كل هؤلاء “الأغبياء” المنادين بتلك المبادئ، الحرية والاستقلال وما شابه، بأن تضبضبوا في الذل، ليس لكم أن ترفعوا الرأس، وليس لرمزي أن يفعل ما كان يفعله، أن يجيّش الشباب ضد السوريين، أن يعديهم كرامة، أن يبثّ فيهم تلك الروح الغاضبة الثائرة المتمردة على الاحتلال وأزلامه، على الديكتاتور، أن يطالب بحرية ذاك المعتقل وكل الشباب المعتقلين هنا وهناك…

أخطأ الشهيد وأخطأ القاتل وكان خطآن قاتلان، الشهيد لأنه كان رمزي عيراني، أتعرف يا صديقي ما يعني لنا الاسم؟ باختصار، كرامة النضال وشرف المواجهة والانتماء الى الأرض ويسوع و”القوات اللبنانية”، لكنك أخطأت يا صديقي الذي لم أعرفه، أخطأت لأنك ازدريت بالتحذيرات ولأنك اعتقلت الخوف قبل أن يخطفوك، وأثرت فيهم كل الغضب والحقد حين ما عادوا يتحمّلون مناضلا من هذا الطراز الراقي فقرروا أن يقتلوك، أخطأت لأنك جعلتنا نحزن بهذا الشكل من دون أن نخاف، أن نلوم شجاعتك وفي الوقت ذاته نتمثّل بك، هذه هي الرائحة التي بثّت عمدا إليك منّا، وهم يظنون أنها رائحة الخوف.
أخطأ القاتل خطأه المميت أنه يوم خطفوك ثم قتلوك وفتحوا صندوق تلك السيارة لتفوح الرائحة، فإذ بالموت كان بدأ يتسلل إليهم بعنف في حين كانوا يضحكون سعداء الأغبياء، كانت واحدة من لحظات سقوطهم الكبير وموتهم الذليل تحت أعقاب الانكسار والرناجر المتّسخة التي يحبون أن يبقوا في ظلال دعساتها، ها هم الآن يا صديقي هناك، تحت الرناجر أذلاء، مذعورين يقفون في صف الجثث ينتظرون دورهم لنرمي بهم في جحيم اللعنات.

أنظر إليهم رمزي، يكاد الصدأ يقضم أعصاب الوجوه المشدودة في انتظار لحظة الصفر، الإعدام، علما أنهم أموات يتدلون من مشنقة الحاضر والماضي والتاريخ، وأنت وأمثالك بالوجوه البيض، بالعمر المغمّس بالحب ترتفعون شمعة حرية، بندقية شرف في وجه الشمس تحت أنظار يسوع لتعلنوا معه قيامة وطن، يا مهندس “القوات” عمّرت لنا هنا وهناك بيتا من كرامة وها أنت تسكنه معنا…