#adsense

إن ننسَ فلن ننسى: الشهيد ديب مطر… وحياة مار جريس بطل

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” العدد 1455:

هو كان معهم حيث لا يجرؤ الآخرون، قوات “الصدم”. ديب منصور مطر. ذاك الآتي من البقاع، أرض السهول والشمس التي لا تغيب. لم يكن البقاع امبراطورية مستقلة، ولا أرضاً معزولة عن منظومة الاحتلال، على العكس تماماً، فهناك أرض قريبة مجاورة لتلك الحدود السائبة، منذ زمن وهي سائبة، بين جمهورية عربية لا تعترف بكيان جارتها الجمهورية اللبنانية، فتمارس في حقها أبشع أنواع الاحتلالات والتنكيل، ودولة لم تعرف كيف تحافظ على كرامتها وتصون استقلالها.

هي الفرزل ضيعة “أبو الرمح” مار جريس، الذي تعبّد له ديب منذ طفولته، ويوم خروجه من الضيعة ومدرستها للالتحاق بـ”القوات اللبنانية” في بيروت مع الشيخ بشير بداية، طلب شفاعة قديسه ورضاه ولم يطلب رضى والده لانه كان يعلم انه لفرط خوفه عليه، سيرفض التحاقه بالحزب خشية التعرّض له من بعض أبناء المنطقة والجوار، حيث عملاء النظام السوري كانوا يمعنون في التوغل وفي التعرّض لأبناء المنطقة.

ترك ديب الضيعة وخرج الى التزامه بالمقاومة، وبدأ يخوض حرباً تلو الأخرى. تولى تدريب وحدات أدونيس في العام 1982، هو الشجاع الذي لا يهاب شيئاً. مع تولّي سمير جعجع قيادة “القوات”، دخل من ضمن أولئك الضباط الذين خاضوا أشرس المعارك وأدخلوا الرعب في قلب العدو السوري وعملائه في لبنان، فرقة “الصدم”.

كانت المنطقة الشرقية في عرس ازدهارها لأن حراسها كانوا لا ينامون، لكن العين الساهرة بدأت تشعر بقلق أكبر وخطر يدق بعنف على بابها، الخطر هذه المرة كان من قلب البيت المسيحي. فجأة اندلعت “حرب التحرير”. لم يسأل الشباب. نفّذوا الأوامر. “الجنرال بيمون”. كانت مدافع “القوات اللبنانية” ترد على مرابض جيش الاحتلال السوري حتى منطقة ضهر البيدر.

ديب كما رفاقه عند المتاريس والمرابض، نسي أهله وناسه والتحق بنداء الأرض. هل كان فعلاً يومها نداء الأرض أم نداء صفقة ما كانت بدأت تعبق رائحتها بين الشباب المقاومين؟! أيضا لم يسأل. وكان طال غيابه عن أهله فيرسل لهم دائماً من يطمئنهم عنه. “كان قبضاي كتير وشهم وكريم وما يخاف من شي، لم نكن نعرف أخبار بطولاته إلا من رفاقه، بيخبرونا شو عمل هون وهون وقلبنا يكبر فيه. كان عندو عنفوان غريب وعزة نفس، مش لأنو خيي بس وحياة مار جريس هوي هيك”، تقول ديفا أخت ديب الوحيدة بين أربعة شباب، وتتكلم عنه وكأنه موجود “يقبرني ما في أحلا منّو”…

صاروا لاحقاً ثلاثة في البيت الذي فقد الأم بسبب مرضها والأخوة كانوا ما زالوا أطفالاً، فتولت الجدّة مع والدهم تربيتهم. هو الثاني بالترتيب العائلي لكنه لطالما تصرّف وكأنه الأكبر لفرط حنانه وخوفه على إخوته، هو الحنان الفائض عندما تغيب آلهة الحنان من البيت. وهو الى الجبهات يناضل، حاول والده استرجاعه الى البيت، كان الخوف رياحاً عاتية تعبر بقلب البيت وبقلب الأب الذي استشعر الخطر قبل وقوعه، كان يريده أن يبقى الى جانبه في الضيعة، للاهتمام بالبساتين، وبالبيت، أن يحب ويتزوج كما كل الشباب، من فتاة تأخذه الى عالمها البسيط الآمن عله يبتعد عن دنيا الخطر. لم يفلح الأب في ذلك “مستحيل يا بيي أنا خلص أخدت قرار إبقى بالمقاومة ورح إبقى ما تخاف مار جريس والعدرا معي”.

…ودوّت تلك الحرب الهوجاء، “حرب الإلغاء”، كما كل الرفاق أيضا، علم أنها حرب لا مفر منها، فُرضت عليهم بالقوة وكان عليه أن يدافع، أن يصد حرب الجشع التي أظهرت الأيام لاحقا، أنها حرب لأجل كرسي! كرسي دفع الشباب المسيحيون من الجانبين ثمنها، وكان الثمن غير الاستشهاد، تلك المؤونة التي لم تنضب بعد، مؤونة من الحقد والتباعد. “تشلّعوا المسيحيي” كان يردّد، وهو الى مربضه يدافع كان يصرخ “شو عملت فينا يا جنرال شو عملت فينا ضيعان تعب السنين ضيعان الشباب”.

كان ورفاقه في وحدات “الصدم” في إحدى المهمات الخطرة في منطقة كفردبيان. كان يعرف أن المهمّة خطرة جداً، لكنّه كعادته لا يهاب ولا يتراجع ويُقبل على الخطر كمن يقبل على نبعة ماء ترويه من عطش مزمن. أنجز مهمته بنجاح كالعادة، وأثناء عودته ورفاقه، نُصب لهم كمين مسلّح، قاوموا قدر المستطاع، أمّن ديب لرفاقه الخروج الآمن من الفخ على أن يلحق بهم لاحقا ما أن ينجز مهمته كاملة ويحرر الموقع. حرّر الموقع، أنقذ رفاقه، وما إن حاول الخروج إحتضنه رصاص غادر قرب ذاك النهر في تلك الوادي في كفردبيان… صار صوته صدى المكان، وانهمرت الدماء تصبغ النهر بالأحمر، وكأنها تلك الحكاية إياها من أساطير العهد القديم، عندما انهالت دماء أدونيس فداء عشتروت، لكن عروس الحب هذه المرة هو قلب الوطن والعريس مقاوم في “القوات اللبنانية”…

كان زمن الشعانين في الضيعة، آذار 1990، الأخت تحضّر كعك الشعانين، الأخ غائب عن سمع أهله منذ ستة أشهر، مضت عشرة أيام على الاستشهاد، الناس بدأت توشوش بالصوت العالي، الأهل يحتفلون بالعيد ولا يعرفون ما كان ينتظرهم، الى أن صار الهمس صراخًا “استشهد ديب ابن منصور”. كان في الخامسة والعشرين، أحب فتاة لكنه تزوّج من غير عروس، خانها مع البندقية والنضال وبقي كعك الشعانين مجمّدا في الفرن، ينتظر شعانين فرح وعرسا لم يتم إلا عند رب السماء والأرض حيث يمشي قربه كل عام في تلك الأورشليم، وينحني لأجله كل زيتون العالم ونخيله… هذا حسب هؤلاء الشهداء.

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

خبر عاجل