#adsense

إن ننسَ فلن ننسى: سمير أسود: أنا هنا لِمَ تبكون؟ (بقلم فيرا بو منصف – المسيرة)

 كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” العدد 1451:

يجلس الى بساط  الثلج  يتأمل. سمير لويس أسود ابن الاشرفية. صار شجرة أرز مغروزة في غابة ميفوق. من الاشرفية الى ميفوق عبر ضوء، من قال ان الموت دمع فقط!!! هو بسمة أيضا، بسمة حزينة عندما يسكن الشهيد فيجوار يسوع، ويلوّح من بياض الثلج “أنا هنا لِمَ تبكون؟”.

لم يغرق  سمير بالأبيض الحلو، تاج قمم وقرى لبنان، بل غرق في جحيم القصف السوري لقلب الاشرفية والمناطق المحررة. عاش تلك المئة يوم الشهيرة عندما دكّ جيش حافظ الاسد الاشرفية بيتاً بيتاً وحياً حياً وشارعاً شارعاً وحاول المستحيل لاقتحامها، وتصدّى له أولئك المقاومون، الشيخ بشير والرفاق في المقاومة المسيحية.

لم يكن سمير بعد مقاوماً، بل كانت بدأت تغلي فيه تلك الروح ما غيرها، تلك الثورة الصغيرة الكبيرة التي دفعت بالجميع ليتركوا كل شيء، ومن دون حساب أو نظرة الى الخلف، ويلتحقوا بالخطر، وكان يجب أن يفعلوا والا لكانت فلسطين عبرت من جونيه، ولكانت الشام سرقت اسم بيروت وصارت هي كل لبنان.

كان يرى الشباب يهرعون الى المتاريس التي نُصبت تحت وابل القصف عند مداخل الاشرفية. كانوا يتوزعون المهام، الدفاع عن المكان، ينقلون الماء والمؤونة للناس، يطمئنون اليهم في الملاجىء، ينقلون الجرحى، يواسون أهالي  الشهداء. كان الجنون بعينه وكانت الاشرفية عائلة واحدة مترابطة حنونة تلتف على بعضها، وتنبض بقلب الخوف على الشباب. تفخر بهم، وتضىء لهم شمعة واحدة “يا عدرا احمي الشباب وردّي عن الاشرفية”.

كان يسمع تلك الصلاة تتناهى من فتحات الملاجئ… مئة يوم وخرجت الاشرفية من تحت الركام منتصرة، لم يدخل المغول الى الاشرفية، هُزم هولاكو العصر الحديث على أبواب الاشرفية، تحطّمت الآلة العسكرية الجبارة عند جبروت الاحرار الحقيقيين، إنسحب من الاشرفية وان كان لم ينسحب يومذاك من لبنان، لكن الطريق كانت بدأت من هنا، وأكملت صوب زحلة والكثير من المناطق المحررة وتعرفون باقي الحكاية.

حرب الاشرفية زرعت بذور الثورة في عنفوان الشاب الوسيم، الرقم سبعة في العيلة المكوّنة من خمسة شبان وثلاث بنات. من يومها شعر أن وجوده يجب أن يتعدّى دور المواطن المتفرّج على الحرب. كان يجب أن يتخطى مرحلة الصلاة والدعاء للشباب ليكون من ضمنهم، يدافع عن مجتمعه وأرضه وأرزه. لم يعد يكتفي بالحياة العادية الهانئة، التي وان عاشها لفترة قصيرة، فذلك بفضل من كان يجلس في الليالي بين نار المتاريس، لتشرق الشمس بهناء على الناس الهانئين في منازلهم. أحب السهر كثيراً والاصحاب والرحلات الطويلة الى جبال الارز، وكان نهما على الحياة يحبّها بكل تفاصيلها، لكن كان بدأ ينقصه شيء ما أساسي وكبير يجعل لحياته معنى أعمق.

عرف ما يريد عندما بلغ العشرين، لم يلتحق بالجامعة كما أراد الاهل، لم يسأل أحدا ولم يأخذ الاذن من أحد في العيلة التي تميّز افرادها بالالتفاف على بعضهم، نهض ذات صباح في وقت مبكر هو من كان يسهر حتى أول شعاع شمس، ضبضب حقيبة صغيرة هو الانيق الدقيق في إختيار ثيابه، وذهب مباشرة الى المجلس الحربي في الكرنتينا، يلبّي نداء سمعه من الشيخ بشير للالتحاق بدورات عسكرية تدريبية تقام للشباب. عصفت به تلك الريح ما غيرها، ولحق صوت “الندّاهة” ليعبر الى ذاك السمير الذي كان يعيش سرّا في أعماقه، ولم يكن بعد إكتشفه بعدما غرق بالكثير من التفاصيل وتناسى الاهم منها، تناسى سمير المقاوم الحقيقي الخائف على بلاده ولم يبح يوماً بخوفه.

يومذاك كانت بدايات حروب صغيرة في الجبل، شبابنا كانوا فوق، من قرية الى قرية يتنقلون، ذهبوا في المئات المئات في الطريق الى شهادة جديدة. كانت أول حرب فعلية يخوضها المغوار، صعد الى بحمدون ولم يخبر أحداً من أهله، ولا الصبية التي أحبها لسنوات، وانتظرته سنوات حتى بعد رحيله، قبل أن تستسلم وتقتنع بانه إستشهد فعلا لتعود وتتزوج.

أخبر الجميع انه سيغيب اسبوعاً الى حين انتهاء الدورة التدريبية، كان يريد أن يقوم بمعمودية النار لوحده مع رفاقه المناضلين، بعيداً من خوف الاهل، كان يعرف أن أمه تصلي له ولرفاقه ولوطنه ليبقى وطنهم، لكنه لم يكن ليعرف أبداً أن أولى معاركه ستكون الاخيرة. جُنت الحرب فوق، الكثير من النار والقليل من العتاد الكافي لمواجهات قاسية دامية، كان في احدى قرى بحمدون، يدافع ويغني حتى في عزّ المعارك، كان صوته شجياً. يحبّ تلك الأغنية ويرددها دائما “برمت اسطنبول عليكي وجبل لبنان”، واستشهد في جبل من جبال لبنان، في قرية تصلها الثلوج دائماً، الثلوج التي كان يحبها ويلحق بها حتى أعلى قمم الارز… كان ذلك في 29 حزيران 1982، عيد مار بطرس وبولس.

سكن سمير أرزة بعدما سكنه أبيض الثلج، وهناك يكمل باقي الانشودة، ويضيف اليها ذاك الموال الذي طالما ردده أيضا لرفاقه “خدني زرعني بأرض لبنان”… هو مزروع هناك فلماذا نزعل اذن؟…

 *لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن. 

خبر عاجل