كتبت ستيفاني جرجس في “المسيرة” العدد 1435:
.jpg)
كان عنيدا ولا يأتمر بأحد. يقول شقيقه البكر عدوان. لكن عناده، ألبسه ثوب الشهادة في الـ٢٢ ربيعاً. رحل ليختم سطور حكايته في أرض الأبطال.
يقظان وجيه رحمة. هل تبكيه عائلته لأنه حصل على وسام الشهادة أم تهلل فرحاً لأنه بات بطلاً في ذاكرة التاريخ؟ لا فارق، طالما مفهومهما واحد ونيران الوطنية والكرامة هي ذاتها تحرق عروقه في الحالين. كان وكأنه يعيش حياة المقاوم وصفاته من الصغر، فهو الشاب اليقظ العنيد والشرس، يسير على خطى الـ “بشير” و “الباش مارون” ويؤمن ويعلم بأن الموت واجب في سبيل القضية ولبنان. ترك مقاعد الدراسة الفارغة والتحق ببندقيته ومقاعد “الدشم” ليدافع عن أرضه المحتلة من المرتزقة، فهو لا يختلف عن الذين سبقوه الى القافلة المقدسة بعطشهم للشهادة ورغبتهم في غرز راية المجد والخلود في أعينهم.
.jpg)
ترك يقظان البيت وقال لشقيقه “دعيلي يا خيّي الله يوفقني ويوفق هالشباب بلدنا والمقاومة بحاجة إلنا”، وذهب ليلتحق في صفوف حركة الشبيبة اللبنانية – الباش مارون فترأس مجموعة مؤلفة من ٤٥ مقاتلاً ولقب بـ”هنيبعل الشرس”. كان من المفترض أن يكون مقره العام في منطقة السلاف الدكوانة لكن مسيرته رسمت خطوطها في تلبية استغاثة بعض الجبهات هنا وهناك للمساندة وسد الثغرات على الجبهات القتالية. لم يترك جبهة من “شره” بدءاً من أقصى الكورة وبشري الى ضهر الوحش والنبعة وتل الزعتر خصوصاً حيث تمكن خلال معركة طاحنة بين مجموعته ومجموعة فلسطينية من انتزاع العلم الفلسطيني عن سطح المبنى ووضع مكانه راية فخره راية العلم اللبناني.
.jpg)
كان يقظاً لخلفيات وخفايا التقدم الفلسطيني نحو القرى المسيحية، لذلك عندما حاول الفلسطينيون اقتحام مركزه في السلاف، وقف لهم في المرصاد لكن المعادلة عادت وانقلبت فتغيّرت المقاييس وتمكنوا من تطويقهم. الى أن جاء القرار الكبير، فخطوة الى الأمام قد تكون خاتمة خطواته لكنها ستنقذ حياة رفاقه، هل يخطوها أم يتراجع؟ وفعلا خطاها! لم يتردد، بل أقدم على تفجير نفسه وإسقاط المبنى على روؤسهم، فسقط جسده وارتفعت روحه حصناً منيعاً في وجه المعتدين لترقد بسلام في كنيسة مار سركيس وباخوس في عيناتا الأرز.
.jpg)
في يوم استشهاده كتب له الباش مارون: “يقظان رحمة طل تا نحكي معك ونخبرك شو صار ليلة مصرعك / باشك مارون ما راد إنو يودعك / تل الزعتر العصيان كلو ركعوا / وحطّم حصون الكفر حتى يفرحك / واسمك ع تلة مار يوسف يوضعوا”. صدق الباش، فتخليداً لذكراه سمي بأول “كاميكاز لبناني” وحملت تلة مار يوسف في تل الزعتر اسمه.
في 10 آب ١٩٧٦، لبّى يقظان نداء وطنه الموجوع. فانتقل من بيته الصغير الى عليائه، راسماً بدمائه خطاً أحمر مسيّجاً به قضية وجودنا، فسطع نوره كنجم في السماء لينير دروبنا وليستحق شرف الخروج من الحياة والالتحاق بقافلة الشهداء الشريفين.
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.