#adsense

إن ننسَ فلن ننسى: يوسف الزغبي: في أحلى من هيك يا إمي؟

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1442:

بين التاسعة عشرة ربيعاً والثامنة والعشرين عزاً، يعبر عمر قصير، قصير جداً إذا ما قيس بالسنين، لكنه طويل وعميق ومعبّر عندما تحتضنه الشهادة. يوسف الزغبي، إبن المجدل في الكورة، إبن “القوات اللبنانية” وشهيدها بالتأكيد.

حتى الآن لم تشبع الشهادة من احتضاننا، ما زال بيننا ومعها حوار عميق ومشوار عمر لم ينته. كيف ينتهي إذا كان الدرب في الأساس محفوراً بدماء أقدس شهداء الأرض والسماء، يسوع المسيح. من مقتبل العمر وحتى آخره وهم معاً، القضية البندقية المتراس وصورة العذراء مريم.

كان بامكانه أن يكون كل شيء، أي شيء في الحياة الواسعة الخيارات، لكنه اختار درب النضال. كان من الصعب عليه بداية إقناع امه بخياراته. هي تريده عريساً ينجب الاحفاد ويعيش العمر هنيئا أسوة بكثر، لكنه وكما كثر من رفاقه، اختار الدرب النقيض، الدرب الصعبة الشاقة المحفوفة بالخطر وأيضا المدروزة كرامة. ذات صباح قال لها “إذا استشهدت يا إمي بكون ساهمت بتحرير المنطقة الشرقية وتحرير لبنان وبتعيشوا كلكن أحرار، مش واقفة بس عليّي، قبلي كتار استشهدوا ورح نضل نعمل هيك”، وبدل أن يذهب الى الجامعة، التحق بمعهد بشير الجميل لمتابعة دورة تأهيل ضباط، تسلّم على أثرها مهام ضابط أمن عسكري في غوسطا ثم ضابط أمن لواء لشدة اندفاعه وشجاعته.

لم يكن يخف أحداً ولا شيئاً، ومن جبهة الى جبهة زرع الخوف عند جيش الاحتلال السوري آنذاك، وحيث يكون مع رفاقه، عند متاريس الوطن، كان يغرس أرزة أمل بلبنان حر. من شرق صيدا وحكايات إقليم الخروب الدامية استشهاداً وعزاً، الى الأشرفية عرين المقاومة المسيحية، مروراً بجبهات الشمال تنقّل، ذاع صيته في المنطقة ما دفع بـ”المردة” لاختطاف أمه علّه يستسلم ويسلّم نفسه، طبعاً لم يفعل لكنه فعل ما لم يتوقعوه، حرر والدته وهزمهم.

كان قاسياً عليه ذاك الصراع المسيحي الدموي، إذ اعتبر أن في الاتحاد ضد المحتل قوة، لذلك كان ينتقد قائد الجيش ذاك الزمن، ميشال عون، ويتمنى لو يتنحى ليكمل المسيحيون نضالهم الحقيقي ضد الاحتلال. لكن ما كان يخشاه في حياته تسبب بموته، تلك الحرب، الإلغاء. في مواجهات عمشيت أُصيب عميقاً في قدميه ما تسبب له بنزيف حاد، ليخرج متحررًا من آلامه ومن جسده الجريح مكلّلاً بغار المسيح. كان ذلك في 12 شباط 1990 . حيث يسكن الآن ورود تنبت وروداً ويراقب من كثب قوافلنا، منها ما اتجهت صوبه ومنها ما زالت تزرع الزهر في الوعر ولو في عز كوانين. هي الكرامة في مواجهة الذل، مستمرة…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن. 

خبر عاجل