في خضم التحولات التي يشهدها عالمنا العربي والإسلامي، يحتدم الصراع والنقاش الفكري بين الليبراليين من جهة والإسلام السياسي من جهة أخرى. هذا الصراع الفكري لا يختزل بالطبع غنى وتنوع الأفكار السياسية والإيديولوجيات الأخرى في مجتمعاتنا، لكنه يعبر عن الانقسام السياسي الأقوى والأعمق. فيما يخص الأفكار القومية واليسارية والإسلامية، ليس هناك من نقص في الكتابات والأبحاث والنقاشات. الملفت للنظر، أن هناك شحاً استثنائياً في ما يخص الفكر الليبرالي، ويصار إلى اختزاله إلى أفكار اقتصادية تبسيطية. تهدف هذه المقالات إلى تسهيل النقاش الفكري والعلمي بين مختلف التيارات الفكرية، علنا نساهم في تعزيز النقاش الحضاري والمساهمة في بناء حوار وطني جاد يعزز من مكانة السياسة والثقافة في حياتنا.
Catherine Audard
Professeur de Philosophie Politique
Et Morale à la London School of Economics
ترجمه عن الفرنسية: ميشال أ. سماحة
(باحث اقتصادي اجتماعي)
إن تأثير الليبرالية “الجديدة” كان دوماَ شديد الأهمية، رغم عدم الاعتراف والإقرار بذلك دائماً.
كاينز Keynes والليبرالية “الجديدة”
بداية، ورغم تأثر كاينز بالليبرالية “الجديدة” إلا انه بقي ليبرالياً بالرغم من كل شيء. إنه في الواقع لخطأ تاريخي اعتبار كاينز معارضاً لليبرالية الاقتصادية بسبب من دعمه للسياسات التدخلية. فهو وان عارض بعض نسخ الليبرالية، الدوغماتية منها والمحافظة، التابعة لمدرسة مانشستر وللحزب الليبرالي في بداية القرن العشرين، أو التوجهات الاقتصادية “الارثوذكسية” للخزينة (الذي خاض معه العديد من الصراعات)، إلا انه بالطبع لم يعارض الليبرالية “الجديدة”، لا بل كان يكملها.
يمكننا القول بداية، أن كاينز أنجز وأكمل الصيغة/النموذج(Paradigme) لليبرالية الجديدة معطياً للدولة الإدارية التبرير الأخير الذي كانت تفتقده: الخبرة والتخصصية الاقتصادية وليس فقط الاجتماعية، مثل دولة بسمارك الاجتماعية في ألمانيا أو في الولايات المتحدة مع الرئيس وودرو ويلسونWoodrow Wilson. بحسب كاينز، فإن الفقر والمشاكل الاجتماعية سببها الحوكمة الاقتصادية السيئة، وضعف القدرات وسوء إدارة الحكومات للاقتصاد، كما و”حماقتهم” كما كان يردد غالباً، مشيراً إلى المشاكل العديدة التي واجهها مع مسؤولي الخزينة ومع مؤيدي وداعمي السوق وحرية التجارة(Free Market) بأي ثمن. سيسمح علم الاقتصاد الجديد بحل الأزمات الاقتصادية مبدلاً المتغيرات، وذلك من خلال إطلاق الطلب(La demande) عبر الاقتراض، جاعلاً الدولة تتدخل لتنفيذ ذلك، من خلال سياسات تقوم على تبني وتنفيذ مشاريع كبيرة، من وحي الاقتصاديين الأميركيين غير الأرثوذكسيين (Institutionnalistes)، وذلك حتى قبل كاينز.
ما فعله كاينز كان عملية استكمال أكثر مما هو عملية تغيير لليبرالية الجديدة بهدف إدخال أفكار جديدة، كالمخاطر والمجهول والتوقع واحتساب الاحتمالات، ناهيك عن أهمية ظواهر الاقتصاد الكلي(Macroéconomiques) . كما قام كاينز بلفت النظر بشأن التشابه (ومع قليل من الغرور)، بين النظرية النسبية لأينشتاين، التي تضم وتستوعب معادلات نيوتن كظاهرة فريدة صالحة للسرعات(Vitesses) الادنى من السرعة الضوئية، وبين نظريته العامة التي تضم وتستوعب المفاهيم الكلاسيكية والنيوكلاسيكية للإقتصاد الليبرالي كحالات فريدة.
يمكننا أن نلاحظ أنه وبنتيجة واقعيته وتوجهه العملي والتجريبي، يعلن وبكل فخر: “عندما تتبدل الوقائع، أبدل وجهة نظري”. لذا تابع كاينز تطوير الليبرالية الجديدة (كبديل للسياسة الحمائية التي يتبناها قسم من اليمين وكبديل أيضاَ لسياسات التدخل وإعادة توزيع الثروة التي يتبعها اليسار) من خلال تطوير إمكانيات التحكم بالدورات الإقتصادية والسياسية “للعمل” ومشجعاً بالوقت نفسه النمو الإقتصادي. يضيف كاينز عامل الإستقرار الإقتصادي الكلي الى البرنامح الليبرالي ما قبل الحرب ليعطيه الأولوية الأولى. بالنسبة له، الإستقرار القصير المدى للرأسمالية هو أكثر خطورةً من اللامساواة على المدى الطويل في سوء توزيع الثروات والعائدات. أكبر العلل والأمراض الإقتصادية هي المخاطرة(Risques) ، المجهول والشك وضعف المعرفة. ودور الدولة يكون في تقليصها من خلال سياستها النقدية والإستثمارات في المشاريع الكبيرة والبنى التحتية الإجتماعية، إلى آخره. قام كاينز بنقل مشكلة العدالة الإجتماعية من المستوى الميكرو-اقتصاديMicro إلى مستوى الإقتصاد الكلي(Macro) . أصبح الظلم والغبن الاجتماعيين مشكلة مخاطر مستقبلية وغياب القدرة على التنبؤ (incertitudes): العدالة أصبحت عملية القدرة على التنبؤ التعاقدي(prédictibilité contractuelle) . بعكس ما نعتقد عموما، يلعب عنصر إعادة توزيع الثروة دوراً صغيراً في فلسفة كينز الإجتماعية حيث يكون آلية إستقرار للإقتصاد الكلي وليس وسيلة لغايات مثالية.
المقاومات ما بعد 1970:
هايك ورولزHayek et Rawls
حتى نهاية فترة الثلاثين سنة المجيدة(les trente glorieuses) ، ظلت الليبرالية الجديدة بشكلٍ أو بآخر موضوع إجماع. اجماع حول دولة الرفاه الإجتماعي. وهي أثرت بطريقة غير مباشرة في جميع الأحزاب السياسية المعتدلة. ولكن إبتداءً من 1970 أصبحت الليبرالية الجديدة هدفاً لنقد مزدوج، سيشكل تحدياً حقيقياً لها.
منذ الثلاثينات، وفريدريش هايك يحارب مفاهيم كاينز الإقتصادية. وبمحاربته لها، كان يحارب التواطؤ بين الليبرالية الجديدة والإشتراكية. يُظهر كتابه الأكثر رواجاً (عام 1944) “الطريق الى العبودية”، بطريقة مقنعة مخاطر تدخل الدول في الادارة الإقتصادية، في حين أنه ليس لدى الدول الوسائل الإدراكية والمعرفية(cognitifs) ، ذلك أنّ هذا التوجه يتطلب سلطة خطيرة، كانت الأنظمة الشيوعية المثال الأكثر تعبيرا عنها. هناك احتراس وخوف تقليدي بالسلطة السياسية من قبل الليبرالية، وبالنسبة الى حايك، فشلت الليبرالية الجديدة في احترام افكارها الكبرى الاساسية. إن الأزمة الإقتصادية في نهاية السبعينيات وإنهيار حائط برلين، سيسمحان بظهور أشكال جديدة لليبرالية: فنيوليبرالية(Neolibéralisme) هايك، وليبرالية ميلتون فريدمان(Lultralibéralisme de Milton Friedman) كما وليبرالية روبرت نوزيكRobert Nozick ، أجمعت على ادانة المبالغات واضطرابات وفشل دولة الرفاه الإجتماعيWelfare State على المستوى الإجتماعي والإقتصادي، وذلك بالعودة إلى المذهب التحليلي الفردي الكلاسيكي (Lindividualisme classique). آتياً من مدرسة سياسية مختلفة، كتاب جون رولز “نظرية العدالة”théorie de la justice (عام 1971) شجب أيضا المفهوم النفعي والرعائي(utilitariste et welfariste) للديمقراطية التي حصلت على كل استحسان لدى لليبرالية الجديدة. على الصعيد السياسي، شكلت الليبرالية “الجديدة” تهديدا للحريات الأساسية، بما أن السلطات المعطاة للدولة بهدف الوصول إلى النهاية/الغاية المبتغاة (السعادة ودولة رفاه ورفاهية)، تتنكر لفكرة تعددية الغايات وحرية الافراد في اختيار غاياتهم الخاصة. على الصعيد الاقتصادي، سياسة إعادة توزيع الثروة بطريقة نفعيةutilitariste التي لا تأخذ بالحسبان إلا المستوى العام أو المعدل الوسطي للخير العام والرفاهية(Bien-être) ، دون تصحيح الخلل واللامساواة البنيوية للمجتمع. إلى هذه الليبرالية الرعائية(welfariste) ، سيقدم رولز قراءة جديدة لليبرالية الكلاسيكية، قراءة تحترم المثل الديمقراطية والهموم المتعلقة بالعدالة الاجتماعية.
فلسفة للحرية
عرفت الليبرالية الجديدة في القرن العشرين نشاطاً وحيوية فكرية بالغة الأهمية، ما سمح لها بالإجابة جزئيا عن بعض تحديات عصرها. كيف بالإمكان إذا، في القرن الواحد والعشرين، إعادة إحياء الروح لهذه لليبرالية، ضد انحرافات النيوليبرالية، كما كان يقول ماكس فيبير(Max Weber) ، في الشروط الاجتماعية والاقتصادية الجديدة والمعاصرة؟
فلنختم بكلمة أمل. بالنسبة للأفكار السياسية المنافسة، كالاشتراكية أو المحافظة، تتميز الليبرالية بقدرتها العالية على الحفاظ على بنية مفاهيم ثابتة (“قدرة تحمل بنيوية”sa tolerance structural/، مع استعارة هذا المصطلح التحليلي الرائع لمايكل فريدنMicheal Freeden ) من خلال تحولاته وتبدلاته. في الواقع، فإن البنية المفاهيمية لليبرالية بقيت هي ذاتها من دون أي تغيير. كما يقول الفيلسوف الأميركي رونالد دواركنRonald Dworkin : “تتألف الليبرالية من أخلاق سياسية تأسيسية لم تتغير عبر التاريخ والتي تستمر تأثيراها في السياسة”. نجد في الليبرالية “الجديدة” مفاهيم أساسية لسيادة الفرد، لحرية الناس العصريين ولدولة القانون. ولكن هذه البنية تغيرت لأن العلاقة بين المفاهيم الأساسية والمفاهيم المحاذية والمتاخمة للديمقراطية كالمساواة والدولة والخير العام، قد أثروا تأثيراً قوياً بهذه المفاهيم الجوهرية الأساسية. في النهاية، إن هذه القيم الرئيسية (الحرية الفردية، حرية التجارة، التسامح، رفض النظام والدوغماتية، والقدرة على النقد الذاتي،….) شكلت مصدر إلهام لأسلوب ولشكل ثقافي محدد وخاص، والتي أعطت لعائلة هذه المفاهيم مرونة وانفتاحاً ميزتهما عن غيرهما من الإيديولوجيات. في المنظار الطويل الأمد، فإن “للبيت الليبرالي” أبواباً ونوافذ مشرعة ومفتوحة بشكل أكبير على العالم مقارنة مع غيره من البيوت الفكرية.
ماذا ستقول فلسفة الحرية إذا كان هذا المشروع متناغماً ومنسجماً مع الدوغماتية ومع روح النظام(esprit de système) المنسوبة عامة للإيديولوجيات السياسية؟ بحكم التعريف لا تستطيع الليبرالية أن تستوحي وتنتج فلسفات دوغماتية وطائفية/أو حزبية بالمعنى الضيق للكلمة. لذلك، إن المغالاة في الليبرالية(ultralibéralisme) كميلتون فريدمان(Milton Friedman) مثلاً، هذا الشكل من الليبرالية التي تبنته حكومات تاتشر وريغن، يصعب وضعه في البيت الليبرالي لأنه يتحول بسرعة إلى تيار وفكر محافظين، من خلال حججه الشكلية من جهة، (التي في كثير من الأحيان تكون دوغماتية ومتعصبة) أو من خلال محتوى أفكاره من جهة أخرى. بالمقابل، إذا طبقنا “مفهوم قدرة التحمل” على الفلسفة ذاتها، باستعادة لصيغة جون رولز، تتمظهر الليبرالية المعاصرة في كوكبة من الأفكار والقيم التي، وإن كانت تتضمن جوهراً ثابتاً، هذه الأفكار والقيم عرضة لتنظيم جديد مختلف، كالذي أنجزه جون ستيوارت ميل أو ككل كتّاب الليبرالية “الجديدة” الذين سبق وذكرناهم.
يمكننا طبعا الاعتراض على المرونة والانتقائية الواسعة(éclectisme)، غير المقبولة سياسيا، أو التي تعطي علامات ضعف على المستوى الثقافي عامة. في الواقع، أنها نقطة قوة لإيديولوجية سياسية بقدرتها على التجدد، والتأقلم مع الظروف الجديدة والتمكن من إطلاق تعاون وتنسيق مع قوى اجتماعية متعارضة. إلا أنّ ما هو ممكن بالنسبة لتيار ثقافي، ليس بالضرورة ممكناً بالنسبة لحزب سياسي. لذلك فان إشعاع الليبرالية “الجديدة” كان يأتي من خلال حركات ثقافية أكثر منه من خلال برامج حزبية. تظل بذلك الليبرالية مصدر وحي لكثير من الناس الباحثين عن أجوبة لتحديات العالم الجديد الذي يعلن عن نفسه، بعيدا من القوالب الجامدة والدوغماتية.