“المسيرة”: البطريرك صفير يروي قصة معركة رئاسة بكركي -4-… لا تخف أيها القطيع الصغير

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1667:

 

لا يهم الشعور الذي كوّنه المطران صفير عن قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في اللقاء الذي حصل بينهما. فهو في النهاية مطران يقف للمرة الأولى أمام رأس الكنيسة الكاثوليكية، ومن الطبيعي أن يكون مندهشًا لهذا اللقاء ولهذا الرجل ولذاك المكان. فقد جاء من أجل مهمة محددة تتعلق بالمطالبة بانتخاب بطريرك جديد للطائفة المارونية وتجاوز مسألة تعيين المطران ابراهيم الحلو مدبّرًا بطريركيًا ليقوم مقام البطريرك الذي اعتُبر مستقيلًا مار أنطونيوس بطرس خريش. لا يهم أيضًا الشعور الذي كوّنه البابا يوحنا بولس الثاني عن هذا المطران الآتي من كنيسة لبنان حاملًا رسالة اعتراض على القرار الفاتيكاني، فهو يدرك أيضًا أن لبنان والكنيسة المارونية فيه كانا يمران بفترة عصيبة، وبأن بكركي يجب أن يكون لها دور في هذه المرحلة، ولهذا السبب كان القرار الذي اتخذه وتم الاعتراض عليه.

لم تكن تلك المرة الأولى التي يحصل فيها تدخل فاتيكاني في إدارة الكنيسة المارونية. فغالبًا ما تكون أروقة الكرسي الرسولي محطّ شكاوى واعتراضات كثيرة على أوضاع غير طبيعية في الكنيسة، وترى أنه من الواجب أن تتدخل لحسمها.

ربما أهم ما حصل في هذا اللقاء بين المطران والبابا أن الثاني صار أكثر اقتناعًا بضرورة حسم مسألة انتخاب بطريرك جديد. هل كان للمطران صفير دور في هذه القناعة؟ ربما كان تأثيره في تسريع موعد الانتخاب وليس في القرار بحد ذاته، ذلك أن الفاتيكان لم يكن أبدًا في وارد إطالة عمر المرحلة الانتقالية، وكان يفضل انتخاب عدد من المطارنة الجدد قبل انتخاب البطريرك، إنما يبدو أنه اختار تجاوز هذه المسألة. ولكن هل اختار البابا أن يكون صفير هو البطريرك الجديد؟ لا يمكن اعتماد هذا الجزم من خلال الصورة الأولية التي كوّنها عنه في هذا اللقاء، ولكن يمكن القول إن حضور صفير أمامه وعرضه للقضية بثقة ومن دون مواربة قد ترك أثرًا لدى البابا الذي كان بدأ يهز الشرق بيمينه.

لم يكن اللقاء مع البابا نهاية إقامة المطران صفير ومهمته في روما. بعد ذلك اللقاء انتقل من روما الى زوريخ في سويسرا لحضور اجتماع مجلس إدارة شركة الترابة اللبنانية في شكا التي كان أسسها في العام 1953 البطريرك أنطوان عريضة.

في 29 كانون الثاني 1986 أفاق في زوريخ باكرًا ولم يستطع أن يحتفل بالذبيحة الإلهية، ولعله من الأيام القليلة في حياته التي لم يتمكن فيها من الاحتفال بهذه الذبيحة. كان قد سأل عن كنيسة كاثوليكية ليحتفل فيها بالقداس ولكن لم يستطع أحد أن يدله على واحدة، لا من اللبنانيين ولا من السويسريين الذين يهتمون بشركة الترابة.

بعدما شارك في اجتماع مجلس الإدارة، تناول طعام الغداء في مطعم أحد الفنادق مع عدد من اللبنانيين قبل أن يعود الى روما حيث كان لا يزال ينتظره لقاء هام مع الكاردينال أشيل سيلفستريني. في 31 كانون الثاني كان هذا اللقاء مع أمين سر دولة الفاتيكان.

عند الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق، ترك جلسة اللجنة القانونية في المجمع الشرقي واتجه الى القصر الرسولي سيرًا على الأقدام، وهو يَبعُد مسافة عشر دقائق منه. كان المطر يتهاطل، فاستعان المطران صفير بمظلة المطران إميل عيد، ولكنه على رغم ذلك تبلل بعض الشيء. كانت السماء مكفهرة. وصل الى القصر الرسولي قبل الموعد المحدد له مع سيلفستريني بربع ساعة. دخل المصعد وسأل عنه. أشار عليه الحارس السويسري بالاتجاه الى منتصف ممر الى اليمين «هناك حيث هذا الباب المفتوح». دخل، فإذا هناك حاجبان في الداخل. أعلن عن إسمه فقاده أحدهما الى قاعة الانتظار.

كان يدرك مسبقًا أن لقاءه مع سيلفستريني سيكون هو الأصعب، نظرًا الى الأجواء المسبقة التي نقلها إليه المونسنيور منجد الهاشم وتتعلق بموقف سيلفستريني السلبي من موقف المطارنة وطريقة مخاطبتهم الكرسي الرسولي. بالنسبة إليه ربما كان لقاؤه مع البابا أسهل من هذا اللقاء. ومع ذلك لم يتردد. فإذا كان أوصل الرسالة الى رأس الكنيسة فلن تكون هناك عوائق أمامه مع من هم أدنى رتبة منه وينفِّذون تعليماته.

قدَّر المطران صفير مساحة الغرفة التي كان ينتظر فيها بستة أمتار عرضًا و12 مترًا طولًا. فيها طاولة في النصف وثلاث طاولات توزعت على الجوانب وحوالى 12 كرسيًا منها ستة قديمة عالية والستة الباقية من طراز أقل قدمًا. وقد عُلِّق على جدرانها المكسوّة بالورق الجدراني خمس لوحات قديمة، وكان كل ما في القاعة يوحي بالرهبة ولا سيما الصمت العميق الذي لا يقطعه إلا بعض أصوات بين الحين والحين آتية من البعيد، وبعض ضربات لقدّوم قد تكون ناتجة عن إصلاحات يقوم بها بعض العمال، وتكتكة ساعة جدارية تسير بانتظام.

عند الساعة الواحدة والسبع دقائق، إنفتح باب آخر في آخر القاعة الى جهة اليمين وخرج منه سيلفستريني. بدا للمطران صفير أنه في الخامسة والخمسين أو الستين من عمره، بدين الى طول، يرتدي غمبازًا أسود، شعره يميل الى الإغبرار. حيّاه واعتذر عن التأخر ودعاه الى الجلوس وقال له: كان عندنا سفير سوريا وتحدثنا عن لبنان طويلًا. وهو موضوع اهتمامنا. شكر له صفير استقباله إياه وما يقوم به في سبيل لبنان. تابع سيلفستريني الحديث قائلًا: يجب أن يوحِّد المسيحيون كلمتهم لأن حالة لبنان ليست معقدة وحسب بل هي حالة قد يصعب إصلاحها. أجابه صفير: هناك أيدٍ تتدخل لزرع الشقاق بين المسيحيين. فهذا يعدونه بمنصب وذاك يغرونه بمطمع، وهذا… فضلا عن أن هناك حساسيات بين المسيحيين تباعد بينهم. ردّ الكاردينال: بكركي لم تتحرك كفاية في الماضي ويجب أن يكون هناك كلمة موحّدة في صفوف الإكليركيين، ولا يكفي أن يُرفض الاتفاق الذي وقعه المحاربون (أي الاتفاق الثلاثي بين إيلي حبيقة ـ قوات لبنانية، ونبيه بري ـ حركة «أمل»، ووليد جنبلاط ـ الحزب التقدمي الاشتراكي)، بل يجب أن يُطرح سواه أفضل منه وإلا إشتعلت الحرب الأهلية. أجل إن المحاربين يمكنهم أن يقرروا وقف النار ولكنهم لا يستطيعون أن يقرروا مصير البلاد السياسي والاتفاق يجعل من لبنان دولة تابعة. ردّ صفير: أجل إنه يفقده سيادته وخصائصه.

كان هذا رأي صفير وسيلفستريني في الاتفاق الثلاثي بعد 15 يومًا فقط على إسقاطه. وهذا الرأي كان ولا يزال يعني أن «القوات اللبنانية» بقيادة سمير جعجع كانت في خط التاريخ الصحيح عندما أسقطت هذا الاتفاق.

بعد ذلك تابع سيلفستريني الحديث سائلًا عن حال المدبّر المطران ابراهيم الحلو قائلًا لصفير: “يجب أن تساعدوه. وكن على ثقة أنه لم يسعَ لنفسه، لكن قداسة البابا طلب منه هذه الخدمة فقَبِل”. أجابه صفير: “لعل الكتاب الذي أرسله بعض المطارنة، وهم 11 مطرانًا قد وصلكم”؟ فقال: “إطلعنا عليه”. تابع صفير: “يجب أن أنقل إليكم الانطباع وهو أن المطارنة شعروا بأنهم قد فقدوا رصيدًا من الثقة لدى الشعب من جرّاء هذا التعيين. فهم لم يُستشاروا، وكان منهم في روما يومذاك خمسة أو ستة بينما كانت هناك أصداء تتردّد أن المطران الحلو سيُعَيَّن. وشاع بين الناس أن التدبير اتُخذ (1) لأن المطارنة غير متفقين في ما بينهم، (2) ولأنهم رفضوا أن يعقدوا المجمع الراعوي في روما، (3) ولأن روما غير ممتنة منهم والبابا لم يستقبلهم. وإن كل هذا ألقى عليهم ظلالًا من الشك، وهذا ما أساء إليهم واستاؤوا منه. لذلك كتبوا هذا الكتاب المعروف، والحالة غير طبيعية. هناك بطريرك مع لقب بلا صلاحيات، وهناك مطران مدبّر مع صلاحيات بلا لقب. ثم هناك ميل الى تعيين مطارنة قبل انتخاب بطريرك وهم يطلبون انتخاب بطريرك قبل انتخاب مطارنة”. إذ ذاك رفع سيلفستريني رأسه وحاجبيه وارتسمت علامات تعجّب على وجهه وقال: “أين العجب إذا انتُخب المطارنة أولًا؟ يجب أن يدخل المجمع عناصر شابة. وبعد، أفلا يجب انتخاب بدلاء عن الذين يستقيلون؟ وبعد، فالبطريرك أبدى كثيرًا من التردد”.

أجاب صفير: “إن الذين انتخبوا البطريرك خريش قد دخل عليهم في عهد بطريركيته تسعة جدد، ومجمع المطارنة لم يبقَ على حاله”. فعلّق سيلفستريني: “هذا طبيعي”. ثم تابع صفير: “إذا انتُخب المطارنة قبل انتخاب البطريرك، قد يُقال إن هذا الانتخاب يأتي لمصلحة شخص معيَّن وهو المدبِّر الذي سيقترح الأسماء. أفليس هو من يقترح”؟ أجاب: “بلى. صحيح. لكن الأساقفة أحرار في أن ينتخبوا من يتم ترشيحه أو ألا ينتخبوا”. أوضح صفير: “لكن الاتجاه يكون قد ارتسم”. قال: “لقد جاء المدبِّر ليعدَّ لانتخاب بطريرك. وهو لن يسعى لنفسه شخصيًا. وقد يحترق، فهذه تضحية منه. وبعد، فإن الحالة لا تسمح اليوم بانتخاب بطريرك، وهي حالة طوارئ”. إستنتج صفير أن الحالة ستطول وقال: “إن هذه الحالة غير طبيعية”. رد سيلفستريني: “إنها كذلك”.

أضاف صفير: “لقد طلب إليّ والى زميلي المطران (رولان) أبو جودة أن نختار بين البقاء في بكركي أو الذهاب الى مناطق الأبرشية، فكيف يمكننا أن نختار قبل أن يكون هناك بطريرك؟ لعلّ هذا البطريرك لا يريد أن نعاونه”. فأجاب: “هذا أمر يتعلق بالمجمع الشرقي، يمكنك أن تراجعه وأن تراجع بالأخص المونسنيور ريتزي”. ثم شدد سيلفستريني على وجوب التعاون مع المدبّر. أجابه صفير: “إننا نتعاون والمطارنة يجتمعون حوله في بكركي ويصدرون البيانات معًا. وقبل أن آتي الى روما وضعت رسالة الصوم العادية ولا نتلكأ عن القيام بكل عمل يطلبه”. فأبدى سيلفستريني سروره لهذا الكلام وشكر صفير عليه، وعاد الى الحديث عن قضية لبنان مبديًا تخوّفه من إسقاط رئيس الجمهورية وإحداث فراغ دستوري، ولا سيما أن هناك مسيحيين يطالبون بذلك.

دامت المقابلة “الحامية” نحو عشرين دقيقة، وقف بعدها صفير مستأذنًا بالانصراف. فنهض سيلفستريني وودّعه على الباب بعد أن سأله عن موعد عودته الى لبنان، أجابه صفير: “الأسبوع القادم، وخرج”.

أراد صفير من خلال لقاءاته أن يرسم خارطة طريق لانتخاب بطريرك جديد، وكان يحمل الى روما اقتراحات تجعل هذا الانتخاب غير مشكوك فيه ويتمتع بـ”الديمقراطية” الكنسية، ويظهر ذلك من خلال توضيحه أهمية أن يتم انتخاب البطريرك قبل انتخاب المطارنة حتى لا يُقال إن روما فرضت هذا البطريرك، خصوصًا إذا كان المدبِّر ابراهيم الحلو سيكون هذا البطريرك. وقد خرج بعد سلسلة لقاءاته باستنتاجات حول موقف سيلفستريني والدوائر الفاتيكانية لخصها على النحو التالي:

1-يجب انتخاب مطارنة قبل انتخاب البطريرك لتوسيع مجمع المطارنة ليأتي انتخاب البطريرك بطريقة سليمة.

2-عُيِّن المدبِّر ليُعدَّ لانتخاب بطريرك ولم يسعَ هو لنفسه.

3-الحالة الحاضرة لا تسمح بانتخاب بطريرك.

4-يجب انتخاب مطارنة بدلا من المستقيلين.

5-يجب معاونة المدبِّر لتوحيد كلمة المسيحيين.

6-البطريرك (خريش) أبدى كثيرًا من التردّد في الاستقالة، ولم يواجه الأحداث بالعمل المطلوب.

أصلب المواقف هو موقف سيلفستريني ثم بروجي. أما ريتزي فقد أراد أن يتفهَّم الوضع، وكذلك قداسة البابا أبدى تفهّمًا كبيرًا.

في خلاصة استنتاجات صفير يبدو أن تفهّم البابا للمسألة هو الذي انتصر آخذًا في النتيجة بشروحات المطران صفير لوضعها موضع التنفيذ على قاعدة انتخاب البطريرك قبل انتخاب المطارنة، وأن الحالة لا تسمح بأن يطول هذا الوضع. لذلك كان لا بد من قرارات سريعة.

في أول شباط انتهت جلسات لجنة الحق القانوني التي دامت أسبوعين. عند الساعة الثانية عشرة تلفن للمونسنيور جوزف خوري في المجمع الشرقي وسأله إذا كان من الممكن أن يستقبله المونسنيور ريتزي ليودِّعه. غاب خوري قليلًا ثم قال له: بعد عشر دقائق.

دخل صفير على المونسنيور ريتزي في مكتبه وعاد الى الحديث عن لبنان وعن الأحوال السيئة فيه وعن استقالة البطريرك خريش التي لم يقدمها خطيًا بل شفويًا، على ما يبدو. فقال له صفير: “فهمت المرة الماضية وغبطته قال أيضًا إنه قدم استقالة خطية”. وأضاف: “كل ما هو مطلوب أن نتحاشى امتحان قوة بين روما والأساقفة. فإذا دعا المدبِّر الى انتخاب مطارنة ورفض الأساقفة، فماذا يكون الموقف”؟ قال ريتزي: “إننا نتكل عليك لتكون عنصر تهدئة. ونأمل ألاّ تصل ا لأمور الى هذا الحد. وتابع: أقول لك وحدك ـ وهذا سرّ حبري ـ إن استقالة المطرانين زيادة وفرح قبلتا وعيّنا لكل منهما مدبّرا رسوليًا لأبرشيته ريثما يتم انتخاب خلف فتسقط سلطة المدبّر. مسألة زيادة أبسط لأن الكرسي الرسولي عيّنه وهو يقبل استقالته. أما مسألة فرح فهي معقدة لأنه قدم استقالته للمجمع ولكن البابا قبلها على الرغم من كل شيء. ويبقى للمجمع أن يحدِّد مكان إقامة المطرانين مع ما يجب لكل منهما من معاش لائق”.

بعدما ودّعه في مكتبه رافقه ريتزي الى الباب الخارجي مبديًا إعجابه برباطة الجأش التي أبداها على الرغم من كل ما يدور في لبنان من معارك قائلًا: أنا لا أستطيع أن أبدي ذلك لأنني قلق جدًا. بعد ذلك تمنى للمطران صفير سفرًا موفقًا الى لبنان. لكن صفير الذي دوَّن هذه الملاحظات، لم يغادر فورًا الى لبنان.

تزامن وجوده هناك مع وجود المطران يوسف الخوري الذي كان معلنًا طموحه بأن يكون بطريركًا. اللقاء الأول بينهما حصل على مائدة الغداء بضيافة المطران إدمون فرحات بحضور المطران إميل عيد والسفير غازي الشدياق والمونسنيور يوسف حتي. بعد الغداء طلب الخوري لقاءه في النزل الروماني حيث يقيم، وقد جاء للإشتراك في أعمال اللجنة المسكونية.

الساعة السادسة والنصف، إستقل صفير سيارة تاكسي واتجه صوب النزل الذي يتسع لنحو 500 شخص وغرفة مجهزة بكل أسباب الراحة. سأل عن المطران الخوري فلم يكن قد عاد بعد. ما هي إلا دقائق حتى وصل، فجلسا في قاعة الاستقبال التي كان ينتظر فيها صفير. نقل إليه صفير أجواء لقاءاته، بينما أخبره الخوري ما دار بينه وبين المونسنيور ريتزي.

في 6 شباط سلك المطران صفير طريق العودة الى لبنان. إنتقل من مطار روما الى مطار أثينا حيث خضع لترتيبات التفتيش العادية ثم انتقل من أثينا الى قبرص، وهناك توجه الى المرفأ للانتقال بحرًا الى جونية على متن الباخرة وقد نقل معاناة اللبنانيين، وفي قرارة نفسه كان يعود بانطباع أن أزمة بكركي ستطول. ولكن انطباعاته لم تكن صحيحة.

في 9 آذار 1986، الساعة العاشرة إلا ربعًا، حطت طوافة عسكرية في بكركي نزل منها المطران أشيل سيلفستريني أمين سر مجلس الشؤون السياسية في الفاتيكان يرافقه المونسنيور توران الفرنسي الأصل، والذي كان أمين سر السفارة البابوية في لبنان. وكان السفير البابوي لوتشيانو أنجيلوني والمونسنيور غاتي قد ذهبا برفقة المونسنيور اغناطيوس مارون الى لارنكا حيث قضوا ليلتهم واصطحبوا في اليوم التالي سيلفستريني.

كان السفير البابوي والمونسنيور غاتي قد أجريا عدة اتصالات مع مراجع وشخصيات مسيحية وجمعا معلومات عن الحالة في لبنان وعما يريده المسيحيون وعن تصورهم للبنان الغد ليقدماها إليه. وقد سبق لهما أن التقيا لهذه الغاية مع المطارنة الموارنة في الخامس من آذار.

طوال فترة وجوده في لبنان، أقام سيلفستريني في بكركي وشملت لقاءاته المسؤولين اللبنانيين الرسميين ورؤساء الطوائف الإسلامية والمسيحية، وذهب بالطوافة الى دمشق حيث التقى الرئيس السوري حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام في 12 آذار، وعاد بالطوافة في اليوم التالي الى بكركي. وفي 14 آذار سافر بها الى قبرص تاركًا للمونسنيور غاتي متابعة المهمة التي جاء من أجلها.

في ظاهر الأمور بدا كأن جولة سيلفستريني سياسية شاملة. ولكن في الواقع كانت مسألة انتخاب بطريرك جديد هي البند الرئيسي فيها، وكأنه جاء من أجل ذلك، في تعديل واضح للمواقف التي أبداها في روما للمطران نصرالله صفير، حيث ظهر بوضوح أن الحالة الخطيرة التي يمر بها لبنان لا تحتمل التأخير. ولذلك بدا كأن الفاتيكان قد أخذ بتوضيحات صفير التي فعلت فعلها.

في 14 نيسان 1986، إلتأم مجلس المطارنة الموارنة لانتخاب بطريرك جديد في بكركي. في الدورة السادسة، وبعدما توزعت الأصوات بين المطرانين الحلو والخوري في الدورات الخمس السابقة، تم انتخاب المطران صفير بطريركًا في 19 نيسان 1986.

بعد انتخابه إرتجل صفير كلمته الأولى بطريركًا: “… أوليتموني شرفًا أثيلًا وحمّلتموني صليبًا ثقيلًا. إنتخبتموني ولست بألمعكم ولا بأعلمكم… إني أعرف أني ضعيف. لكنني أعرف في الوقت عينه ما يقوله الرسول وهو إني قوي بقوة من يقويني.. قوتي بالله الذي أرفع إليه آيات الشكر معكم. قوتي بالكنيسة التي لا يزال رأسها المنظور قداسة الحبر الأعظم… إنني قوي بكنيستنا المارونية… إنكم حمّلتموني صليبًا ثقيلًا تنوء كتفاي بحمله. لكنني واثق من أنكم ستحملونه معي، صليب الإيمان، صليب المسيحية في هذا الشرق، صليب المارونية التي أُلصِق بها ولا يزال يُلصق بها ما هي منه براء…”

طوال 25 عامًا حمل صفير هذا الصليب ولم يتعب. لم يكلّ ولم يملّ، حتى صار تاريخ وجوده في بكركي كاهنًا ومطرانًا وبطريركًا جزءا من تاريخ لبنان.

عندما اعتبر الفاتيكان أن البطريرك خريش بات طاعنًا في السن وسعى الى انتخاب بطريرك خلفًا له، كان عمر خريش 75 عامًا.

عندما زار قداسة البابا يوحنا بولس الثاني لبنان في أيار 1997، كان عمر البطريرك صفير 77 عامًا، ولم يتحدث أي كان عن أنه كان طاعنًا في السن. كان لا يزال في عز عطائه وفي قلب المهمة التي أوكلت إليه من أجل إنقاذ لبنان، وقد نفذ هذه المهمة بكل ما أوتي به من قوة ذلك الإيمان الذي تحدث عنه يوم انتخابه.

اقتضت المرحلة أن يبقى صفير بطريركًا كامل المواصفات حتى صار عمره 91 عامًا، وكان لا يزال في قمة عطاءاته أيضًا. نشاطات يومية. قداس الأحد والعظة التي تحاكي الروح والوضع السياسي وتوجِّه الرسائل في كل الاتجاهات. استقبالات عادية. جولات. زيارات. تدوينات يومية للأحداث. بقي يعمل وكأنه بطريرك دائم وكأن حبريته محكومة بالاستمرار ولا يحدّها عمر ولا زمن. طوال 25 عامًا تحمّل الكثير ولم يتمكن أحد من تسجيل أي نقطة ضعف أو تخاذل أو تراجع في سجله أو مأخذ. بقي بطريركًا فوق الشبهات. بطريركًا كبيرًا. تاريخيًا. لا يلين. لا يساوم. بقي ضمير لبنان.

في أواخر العام 2010 بدأ يتسرّب الى العلن ما كان البعض يحاول أن يحكي عنه في السر. كان كثيرون يتساءلون عن سر استمرارية البطريرك في بكركي على رغم بلوغه عتبة الواحدة والتسعين من العمر من محبتهم له ورغبة منهم في أن يبقى بطريركًا دائمًا. بينما كان آخرون يتمنون أن تنتهي سنين حبريته وينتظرون تلك اللحظة بعدما عجزوا طوال أعوام عن محاولة التأثير فيها. وحده صفير كان يمتلك حرية القرار وتوقيته.

في تشرين الأول 2010 خلال انعقاد سينودس أساقفة الشرق في الفاتيكان، عُقد لقاء في مقر إقامة البطريرك صفير في المدرسة المارونية في روما ضم إليه والى عدد من المشاركين في السينودس الكاردينال ترسيزيو برتوني أمين سر دولة الفاتيكان والكاردينال ليوناردو ساندري رئيس مجمع الكنائس الشرقية، ويُقال إنه في ذلك اللقاء جرى حديث مع البطريرك صفير حول استمرار بقائه بطريركًا من باب ربط المسألة بالعمر وليس من باب البحث عن البديل.

في تلك المدرسة بدأ صفير مهمته الى الفاتيكان في العام 1986 وحمل قضية بكركي الى البابا يوحنا بولس الثاني. من تلك المدرسة أيضًا ستبدأ قضية البحث عن مرحلة ما بعد البطريرك صفير.

في آخر تشرين الثاني 2010 إختمرت المسألة عنده. هو أيضًا كان بدأ العمر يتعبه وبحكم سعة شعوره بالمسؤولية وبأن أكتافه قد تنوء بهذا الحمل الذي حمله، وحتى لا يداهمه المرض وهو بعد في سدة البطريركية، بادر الى توجيه كتاب الى الفاتيكان يتمنى فيه على قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر قبول استقالته. لقد بدأ طريق حبريته بكتاب وهي توشك على الانتهاء أيضًا بكتاب. وكان هو الرابط بين الكتابين بفارق 25 عامًا.

لم تنشر أي معلومات عن هذا الكتاب وعن الرغبة بالاستقالة. أراد صفير أن تبقى المسألة محاطة بالكتمان. كان يريد أن يترك سدة البطريركية بصمت، وقال لبعض المقربين منه: «من الأفضل أن أتنحى وأنا بكامل وعيي وقدراتي». وقال أيضًا لأحد هؤلاء السيد خطار الحدثي: «إذا خرفت وكنت لا أزال بطريركًا سيقولون البطريرك خرف أو البطرك خرفان. أما إذا صرت ضيِّع بعدما أترك سدة البطريركية لن يُقال إلا أن الأبونا صفير عم يضيِّع أو خرفان». كان حريصًا على سمعة بكركي والبطريركية أكثر من سمعته هو. كان يهمه الموقع أكثر مما يهمه شخصه.

في 23 شباط 2011 كان من المفترض الاحتفال في روما برفع الستارة عن تمثال مار مارون في ساحة بازيليك القديس بطرس من دون أن يكون تم اتخاذ قرار بعد بقبول استقالة البطريرك صفير أو رفضها. وكان البطريرك ينتظر هذا القرار لمعرفة ما إذا كان سيشارك في هذا الاحتفال وهو بعد في هذا المنصب أم بصفة بطريرك مستقيل أم بصفة بطريرك سابق. شاءت الإرادة الفاتيكانية أن تؤخر هذا القرار حتى ما بعد هذا الاحتفال الذي كان آخر احتفال يشارك فيه البطريرك صفير في روما، حيث أنه كان من الأفضل أن يحتفل هو بهذا الحدث. وهكذا حصل. فقد أزاح البابا بنديكتوس السادس عشر الستارة عن التمثال في ذلك اليوم بحضور صفير ورئيس الجمهورية ميشال سليمان، قبل أن ينتقل الجميع الى كنيسة القديس بطرس ليترأس صفير القداس الاحتفالي ويلقي عظة بعنوان «لا تخف أيها القطيع الصغير»، وكأنه كان يدرك أنه يوجه رسالته الأخيرة من تلك الكنيسة التي لا يترأس فيها الذبيحة الإلهية عادة إلا بابا روما.

في 26 شباط 2011 أعلنت أمانة سر البطريركية المارونية في بكركي أن صحيفة «أوبسرفاتوري رومانوا» الناطقة بإسم الكرسي الرسولي نشرت في عددها الصادر اليوم أن قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر وجه كتابًا الى غبطة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير يعلن فيه قبول الاستقالة التي كانت تقدم بها، ومما جاء في نص الكتاب: «لقد اخترتم وقررتم بملء حريتكم تقديم استقالتكم من مهامكم كبطريرك للطائفة المارونية في هذا الظرف الخاص، فإني أقبل قراركم، وإني على ثقة أنكم ستواكبون دائمًا الكنيسة المارونية بالصلاة والحكمة والنصح والتضحيات».

صدر هذا البيان يوم السبت. يوم الأربعاء في 2 آذار 2011 ترأس البطريرك صفير “المستقيل” للمرة الأخيرة الاجتماع الشهري للمطارنة الموارنة. ذلك الاجتماع الذي شكل صدى لبيانات حملت روح البطريرك صفير وشخصيته، ولعل أهمها نداء 20 أيلول 2000 الذي قال فيه إنه آن الأوان لينسحب الجيش السوري من لبنان. في ذلك الاجتماع دعا صفير مجمع المطارنة الى انتخاب بطريرك جديد للطائفة المارونية. عندما انتُخب صفير كان عدد المطارنة الذين انتخبوه 18 مطرانًا. عندما كان يسلِّم الأمانة كان صار عددهم 39.

في 15 آذار 2011 تم انتخاب المطران بشارة الراعي البطريرك السابع والسبعين للطائفة المارونية بعد 13 دورة اقتراع على مدى خمسة أيام. لم تكن خلافة البطريرك صفير مسألة بسيطة وعادية.

بعد انتخاب البطريرك صفير خلفًا للبطريرك خريش بقي الأخير في الجناح المخصص له في بكركي حتى وفاته في 19 آب 1994. منذ العام 2011 يستمر البطريرك صفير في الإقامة في جناحه الخاص في بكركي، وعلى رغم تجاوزه الثامنة والتسعين لا يزال الكثيرون ممن يزورونه يعتبرون أنه لم يصبح بعد طاعنًا في السن، وأنه سيبقى حاضرًا في الذاكرة وفي التاريخ.

ـ إنتهى ـ

“المسيرة” – البطريرك صفير يروي: قصة معركة رئاسة بكركي -3-

“المسيرة” – البطريرك صفير يروي: قصة معركة رئاسة بكركي -2-

“المسيرة” – البطريرك صفير يروي: قصة معركة رئاسة بكركي -1-

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل