77 عامًا على 22 تشرين 1943 – 3

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1711

سيادة دستور حياد… الإستقلال الثالث

77 عاماً على 22 تشرين 1943

الحياد في ميثاق جامعة الدول العربية ووثائقها

تكمن جذور تحييد لبنان في ميثاق جامعة الدول العربية بالذات ومجمل الأعمال الإعدادية لهذا الميثاق ومداخلات لبنانيين حول سبل إتخاذ القرارات ومنها مداخلات هنري فرعون، وأيضًا في كل وثائق إجتماعات جامعة الدول العربية منذ إنشائها، في أن يكون لبنان «دولة مساندة وليس دولة مواجهة»، وأن يكون لبنان عنصر تضامن بين العرب، وليس عامل تفكيك وتغذية للنزاعات العربية وخروجًا عن التضامن العربي لصالح استراتيجيات تخدم أنظمة عربية ولا تخدم المصالح العربية المشتركة. واستنادًا الى مداخلات الوفد اللبناني بالذات وهنري فرعون «لا تكون القرارات ملزمة إلا بالنسبة للدول التي تقبلها». ويؤكد الميثاق سيادة كل دولة ومعتبرًا «الملكية الحصرية للسلاح الثقيل من عناصر السيادة»

مطالبة رسمية وشرطية من عبد الناصر عام 1958 لحياد لبنان

طرح حياد لبنان بقوة خلال ثورة 1958 حيث تحوّل لبنان الى ساحة مداخلات وتصفية خلافات عربية. وينقل رئيس المجلس النيابي عادل عسيران على أثر زيارته الى القاهرة شروط الرئيس جمال عبد الناصر لاستئناف المحادثات حول العلاقات بين لبنان الرسمي والجمهورية العربية المتحدة، قبل قيام عبد الناصر بزيارة لبنان أو دعوته رئيس الحكومة اللبنانية لزيارته في القاهرة. ورد في جريدة النهار: «في طليعة الشروط الواضحة المعالم إذاعة بلاغ في القاهرة يشير الى زيارة الرئيس عسيران ومحادثاته مع الرئيس عبد الناصر ويقول صراحة إن المحادثات مع لبنان تجري على أساس إتفاق البلدين حول نقاط عديدة أهمها:

أولاً: تعهد الحكومة اللبنانية بالتزام الحياد التام حيال الخلافات العربية والخلافات الدولية.

ثانيًا: تتعهد الحكومة اللبنانية بعدم الإرتباط بأي إلتزام دولي، وبأي إلتزام مع الولايات المتحدة بنوع خاص، له صفة إستعمارية، أو يخرج لبنان من نطاق الحياد.

ثالثًا: تتعهد الحكومة اللبنانية وحكومة الجمهورية العربية المتحدة بحل المسائل المعلقة بينهما بروح التفاهم والمصلحة المشتركة.

رابعًا: يتعهد لبنان بأن لا يكون مسرحًا للمؤامرات ضد الجمهورية العربية، وتتعهد هذه بعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

وكان لبنان قد تقدم بشكوى الى جامعة الدول العربية والى مجلس الأمن ضد الجمهورية العربية المتحدة وترأس الدكتور شارل مالك الوفد اللبناني (النهار، 7/6/1958).

 

الحياد وعودة لبنان إلى هويته

• إن الدعوة الى تحييد لبنان هي إستعادة الوطن الذي تحوّل الى ساحة، أو رصيفًا trottoir بالمعنى الفرنسي السلبي. ينتظر اللبنانيون الأحرار إستعادة لبنان الوطن كثمرة خبرة تاريخية جامعة ومشتركة وكيان مهدّد وذاكرة وطنية رادعة وإخفاقات وإنجازات مشتركة.

وتكمن أبرز العوائق في تحييد لبنان في مخادعة شعبوية وتشويه أرقى المفاهيم في العلاقات الخارجية وليس في قضية الصراع العربي – الإسرائيلي.

• تحييد لبنان هو ثمرة معاناة مشتركة لأننا اعتدنا طيلة قرون على حمل قضايا غيرنا فألحقنا الضرر بقضيتنا وبقضايا الغير! قضية لبنان هي الأهم ولا تعلو عليها أية قضية أخرى. إنها قمة العروبة الحضارية وليس عروبة السجون، وقمة رسالة الإسلام المسلم حقًا وواقعًا، ومسيحية المسيح والعيش معًا في عالم تجتاحه تيارات صهيونية ومُتصهينة، إقصائية وانفصالية، وتُهدد المنطقة العربية بالذات. فهل ننطلق بالتالي نحو التحييد التطبيقي وفي الممارسة وبعد طول معاناة وننطلق من لبنان الساحة الى لبنان الوطن؟

• يتطلب تحييد لبنان لا حوارًا «وطنيًا»، ولا مناظرات إستعراضية مُتلفزة، ولا سجالات تجريدية من قبل قانونيين ومُثقفين غرباء عن الواقع والتاريخ والإختبار، بل مجرد «فك الحصار عن الشرعية اللبنانية». وبعد «فك الحصار عن الشرعية» في لبنان تتألف حكومة إستقلالية تُؤكد في بيانها الوزاري، بصيغة أشد وضوحًا وثباتًا مما ورد سابقًا في كل البيانات الوزارية منذ 1943، الثوابت الميثاقية والدستورية اللبنانية والعربية والقرارات الدولية، وأيضًا الثوابت في سياسة لبنان الخارجية الرسمية منذ 1943 حول الحياد اللبناني ومقدمة الدستور: «لبنان عربي الهوية والإنتماء».

• أما ما يُسمّى الاستراتيجية الدفاعية، هروبًا من القضية الأساس (دولة واحدة لا دولتان، جيش واحد لا جيشان، «لبنان عربي الهوية والإنتماء») فيضعها الجيش اللبناني وحده وتوافق عليها الحكومة. لا تُطرح الاستراتيجية الدفاعية في أي دولة في العالم في مؤتمرات أو حوارات علنية مُسماة وطنية لأن الاستراتيجية الدفاعية مرتبطة بالأمن القومي. وكل خلاف حول مضمون التحييد اللبناني هو مُصطنع. المطلوب العودة الى الجذور، بدعم دولي وعربي ووطنية لبنانية مُستعادة. كل سجال حول هذا التحييد، خارج جذوره التاريخية وشرعيته اللبنانية والعربية والدولية، هو هروب ومخادعة وتبعية.

• يبقى أن الحاجة الى تثبيت الحياد اللبناني وتحقيقه، وليس الى إقراره، لأنه مُقرر أصلاً في كل التعهدات والقرارات الدولية وهو مُخترق منذ نصف قرن من قوى داخلية وخارجية. وأي مطالبة أو دعوة أو سجال إستعراضي حول حوار «وطني» بشأن حياد لبنان وتحييده هي جهل الماضي والتاريخ والجذور ودعوة الى مرحلة دستورية تأسيسية إنقلابية وبلد آخر نقيضًا لهوية لبنان وتاريخه ورسالته ومقدمة الدستور: «لبنان عربي الهوية والإنتماء».

 

المقاومة بين مفهوم الأمس واليوم

يرد بوضوح تام وذات طابع رسمي عام توصيف الدبلوماسية الخارجية اللبنانية الرسمية للمقاومة في اجتماع وزير خارجية لبنان فارس بويز مع الجنرال تروند فورهوفد، قائد القوة الدولية في جنوب لبنان، في 3/8/1991، يرافقه المستشار السياسي لقيادة القوة الدولية نيقولاي كولوف وعدد من الضباط الدوليين. التوصيف الرسمي للمقاومة في لبنان هو الذي يحدّده الوزير فارس بويز في تلفزيون لبنان وفي هذا الظرف الدبلوماسي بالذات:

«إن كلمة مقاومة تعني أولاً شعبًا بكامله، تعني دولة (…). إن المقاومة أيضًا هي قدرة الدولة على أن تُلبي حاجات المواطنين الاجتماعية والصحية والاقتصادية والتربوية وغيرها، وكل ما يؤدي الى تعطيل قدرة الدولة على القيام بهذا الواجب الوطني يعّطل أيضًا قدرة الشعب على التصدي والتشبث بأرضه. كذلك قلنا: إن المقاومة في معناها العام هي عنصر سياسي، فلا عملية عسكرية مقبولة إذا لم تصب في الخانة السياسية، ولا مبرر لعملية عسكرية من دون هدف سياسي (…). من هنا فأن أي عملية لا تتناسب مع الطرح السياسي للدولة التي هي الممثل الشرعي للشعب (…) لا تخدم القضية. من هنا أيضًا فإن أي عمل أو أداء عسكري يجب أن يتناغم ويتناسب مع – ويشارك في – حالة مقاومة وطنية عامة تتجسد في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية. فليست هناك مقاومة ترتكز فقط على عنصر واحد من هذه العناصر بدون الآخر. إننا سنتمسك أكثر من أي وقت مضى بحق لبنان في مقاومة الإحتلال الإسرائيلي. إلا أن هذا الحق ليس حكرًا على أحد. وأن الحق هو للدولة اللبنانية الممثلة الشرعية للشعب اللبناني وللوطن اللبناني، وهي التي تبقى مسؤولة عن النتائج العامة وعن الحالة العامة للتصدي للعدوان»

• من مقال للدكتور أنطوان مسرة بعنوان: ما معنى تحييد لبنان؟

 

المراجع:

-جريدة النهار، د. غريس الياس، «سياسة الحياد في البيانات الوزارية منذ 1943»، دراسة غير منشورة، 2020، 8 ص.

-نبيل خليفه، لبنان والخيار الرابع: الحياد أو التحييد: بحث حول حياد لبنان الدولي، مركز بيبلوس للدراسات، جبيل، 2008، ص 41-42، 48-49.

-جان ملحه، الوزارات اللبنانية وبياناتها، 1943-1994، بيروت، مكتبة لبنان، 1995، 320 ص.

-«مانيفست لخلاص لبنان»، عدد خاص للنهار بقلم 121 من الفاعلين في المؤسسات العامة والمجتمع، 27/9/2018 وخلاصة أنطوان مسرّه، النهار، 21/3/2019).

إقرأ أيضاً: 77 عامًا على 22 تشرين 1943 – 2

إقرأ أيضاً: 77 عاماً على 22 تشرين 1943 – 1

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل