#adsense

الموارنة ولبنان: صيغة برسم إعادة الصياغة

حجم الخط
الموارنة ولبنان ـ البطريرك الحويك
الموارنة ولبنان ـ البطريرك الحويك
الموارنة ولبنان ـ رسم تعبيري
الموارنة ولبنان ـ رسم تعبيري
الموارنة ولبنان ـ سمير جعجع
الموارنة ولبنان ـ سمير جعجع
الموارنة ولبنان ـ الفاتيكان
الموارنة ولبنان ـ الفاتيكان

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” ـ العدد 1749

كان يمكن لمار مارون أن يكون قديسًا كما العديد من القديسين الذين اجترحوا المعجزات باسم السيد المسيح، في لبنان كما في العالم، وواحدًا من الواردة أسماؤهم في السنكسار، يذكره المؤمنون في عيده بمثاله وفضائله، وينسونه غالبًا في بقية الأيام. ومن البديهي أن القديس مارون أب الموارنة، لم يكن في خلده أن يصبح رمزًا لأمة تسمّى باسمه، وأن يكون لشعبه هوية تتخطى البعد الروحي الصرف، وأن تختار تلك الأمة وطناً تجهد ليجسّد تطلعاتها إلى الحرية بالتشارك مع فئات أخرى رأت في لبنان موئلاً لها… فلنعد الى قصة الموارنة ولبنان.

لو سئل القديس مارون في حينه هل يطمح لأن يكون رمز طائفة متمايزة على إسمه، لكان تحفّظ بل رفض، وهو الناسك الذي ابتعد عن الدنيا منصرفاً إلى الصلاة في القفر. لكن الروح التي زرعها مارون في تلامذته، من حيث يدري أو لا يدري، زاوجت في نفوسهم بين جذوة الإيمان وتنسُّم الحرية، لأن مارون بتمايزه كان بشكل أو بآخر، رمزًا للحرية والتحرّر من حسابات السلطة ونوازعها، وبعض المناكفات الكنسية اللاهوتية أو المرتبطة بمواقع النفوذ في الإمبراطورية البيزنطية.

لقد أدرك الموارنة بقياداتهم الروحية أولاً، وشيئاً فشيئاً، أن فرادة مار مارون في ثورته النسكية الهادئة والبسيطة، والمناهضة للبهرجة الطقوسية وبريق الواجهة، تستحق أن تكون نموذجًا لفرادة مريديه في مشرق دائم الإضطراب وضحية صراعات لا تنتهي عند مفترق حضارات عريقة أو متوالدة. ولذلك تمددوا بل انتقلوا جنوبًا وتدريجًا حتى وجدوا ضالتهم في جبال لبنان، وعلى مثال مارون تحدّوا شظف العيش ووعورة مواردها، مغلّبين الصعوبة على السهولة، فاحترفوا النضال تطلُّعاً الى الإستقلال الذاتي والإكتفاء الذاتي بالحد الأدنى، وشكلوا نموذجًا يُحتذى لكل من يروم الحرية، وتاليًا ليكونوا في أصل التكوين اللبناني المتنوّع.

لا يذكر التاريخ على مدى بضعة عشر قرناً أن الموارنة تصرفوا بغرور واستعلاء، أو راهنوا على السلطة للهيمنة، أو فضّلوا منطق التجارة والصفقات والمقايضات على الحرية. وقد ذهب البعض إلى القول إن الموارنة كانوا أقوياء عندما عَرفوا، لظروف موضوعية أو قاهرة، كيف يمارسون الأدوار الرديفة، (les bons seconds)، سواء في ظل الأمراء المعنيين أو في ظل الشهابيين، أو في ظل المتصرفية أو في ظل الإنتداب الفرنسي، علمًا أنهم كانوا في هذه المراحل أصحاب نفوذ مرجعي وحاسم في الغالب.

وكان التحدي الأكبر للموارنة مع إستقلال لبنان، حيث مارسوا دورهم الطليعي وطنيًا وعلى صعيد الدولة والمؤسسات، لا سيما وأن موقع رئاسة الجمهورية تمتع بصلاحيات واسعة وفضفاضة في الجمهورية الأولى، على الرغم من أن تلك الصلاحيات كانت أقرب إلى ضمانة منها إلى أداة للسيطرة والتحكم.

وثمة من يعتبر، أن البطريرك الياس الحويك أخطأ في الإصرار على لبنان الكبير، لكنه في الوقت عينه تمسك بالتجربة مركّزا على غلبة فكرة الوطن المتنوّع والمواطنية على الفئوية، فرفض إدخال المؤسسات الكنسية في صلب الدولة، على غرار المؤسسات الإسلامية من إفتاء وقضاء، ودعا الى ما سُمّي دولة مدنية، أي لا دين لها، مع التحفّظ على عبارة مدنية لأنها مصطلح غير معتمد علميًا. على أن ما آلت إليه التجربة اليوم، تستدعي التفكير مليًا في قدرتها على الإستمرار كما هي.

لقد عانى الموارنة في السلطة مزيجًا من سوء الإدارة وسوء الفهم في آن واحد، وأريد لهم أن يدفعوا ثمن المارونية السياسية، التي مع ذلك لم تقتصر على الموارنة، بل كانت أقرب إلى مدرسة سياسية فضفاضة ضمت رموزًا وقوى من مختلف الطوائف سنّة وشيعة ودروزًا الى المسيحيين من مذاهب عدة.

وبمعزل عن الأخطاء التي اعتبرها أخصام الجمهورية الأولى خطايا، فإن تلك الجمهورية كانت أفضل بدرجات من الجمهورية الراهنة، وقد عرف الموارنة في حينه أن يحافظوا على الدولة والمؤسسات، وعلى حد أدنى من الفروسية والأخلاق في السياسة، بل إنهم تصرفوا كعرب أكثر من بعض العرب، وكحريصين على الوحدة الوطنية والبعد العربي أكثر من بعض المسلمين. فالرئيس بشارة الخوري هو الذي شرّع الباب أمام إستقبال اللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة الأولى، والرئيس سليمان فرنجية هو الذي حمل مشعال القضية الفلسطينية متسلّحًا بموقف وطني جامع على منبر الأمم المتحدة.

وخلال مراحل عدة من ا.ل.ح.ر.ب في لبنان، بدا الموارنة وحيدين في مواجهة الهجمة الفلسطينية والهيمنة السورية، وإن لجأ بعضهم وبشكل محصور في الزمان والمكان إلى طلب الدعم الإسرائيلي، فلأن الخيار الآخر كان الموت والإلغاء. ولذلك كان الخيار الإسرائيلي خيارًا قسريًا وتكتيًا وجزئيًا، فالغرب طرح على المسيحيين الهجرة والتخلّي عن لبنان أو التسليم بالأمر الواقع، والشرق إما دعم أخصامهم أو تعامى عما تعرضوا له من تنكيل وحملات وتهجير.

لقد شكل وصول بشير الجميل إلى الرئاسة ما يشبه مكافأة إستثنائية نالها الموارنة والمسيحيون عن إستحقاق لصمودهم ونجاحهم في فرض الإحترام والإعتراف بوجودهم السياسي كـ.م.ق.ا.و.م.ة مشروعة، لا سيما بعد ح.ر.ب زحلة وانتزاع قرار دولي بوقف النار وكبح جماح الآلة العسكرية للإحتلال السوري.

وقد أبدى بشير منذ اللحظة الأولى حرصًا على لبنان وطن الشراكة والوحدة مراهناً على شعار الـ10452 كيلومترًا مربعًا، لكنه في الواقع سقط ضحية هذا الحرص من قبل من كانوا يريدون للبنان الإلحاق والخضوع، ويريدون للصراع مع إسرائيل أن يستمر كحجة لاستمرار هيمنتهم على لبنان ولاستمرار أنظمتهم القمعية.

وبعد ا.س.ت.ش.ه.ا.د بشير وطول معاناة، نجح سمير جعجع في استعادة ألق ا.ل.م.ق.ا.و.م.ة ورص صفوفها ونهض بها تنظيمًا وقوة ومعنويات، لكن بروز ميشال عون في موقع رئاسة الحكومة العسكرية بطريقة فيها من العمد والإلتباس بقدر ما فيها من قصر النظر، جعل الموارنة أمام حالة غير مسبوقة من الإنقسام العمودي، وجعل المنطقة الحرة من لبنان، والتي نجحت ا.ل.م.ق.ا.و.م.ة اللبنانية في ترسيخ الخطوط الحمر حولها، عرضة للإنتهاك والسقوط المدوي بسبب الح.ر.ب.ي.ن الكارثيتين اللتين أطلقهما عون، مستتبعًا ما عُرف بهزيمة مسيحية استدرجها قيادي مسيحي، أعاد الكرّة مرة أخرى بعودته إلى قصر بعبدا، ليكون في صلب إستدراج هزيمة مشروع لبنان الوطن الحر المتنوّع، من خلال فشله الذريع في الحكم، إذ رهن الدولة للدويلة على قاعدة المقايضة والصفقات.

ومع ذلك، ا.ل.م.ق.ا.و.م.ة مستمرة ، وتتمثل رأس حربتها بـ”القوات اللبنانية” بالتعاون مع سائر الحلفاء والسياديين والأحرار. فسمير جعجع يستعيد اليوم الدور التاريخي للموارنة الذين لم تغرهم السلطة بقدر ما أغرتهم الحرية. وهو الذي رفض الهرب والتنصّل بعد ا.ل.ت.ف.ج.ي.ر الخبيث لكنيسة سيدة النجاة في ذوق مكايل في 27 شباط 1994، والذي كان المدخل لاتهام ماروني بضرب الكنيسة المارونية والقضية التي حمل شعلتها الموارنة على مر الأجيال. ومع ذلك، لم يتحمّل في حينه الرئيس الماروني للمجلس العدلي القاضي فيليب خيرالله وزر هذه التهمة الملفقة بعناية، فقاد المجلس إلى تبرئة جعجع، الأمر الذي استتبع حملة غضب لدى مفاتيح النظام الأمني المشترك والذين كانوا وراء تركيب الملف. ولعل عبارة النائب الماروني الكسرواني آنذاك نعمة الله أبي نصر ما زالت تدوّي في الأسماع: “سمير جعجع يفجّر دبابة، لكنه قطعًا لا يفجّر كنيسة”.

اليوم، الموارنة ومعهم لبنان الذي كانوا في صلب بنائه وطناً ودولة، على المحك، وهذه المرة ليس كمحطة في سياق محطات كانت التسويات الترقيعية عنوانها، بل كمفصل مصيري يطرح إعادة النظر في تركيبة الدولة تحت سقف الميثاق، لإنقاذ الوطن والتجربة والدولة والميثاق، وتحديدًا الشراكة من براثن الإستئثار والأحادية والتكاذب. فالحقيقة مرة ولكن لا ينفع الهروب منها، وقدر الأحرار دائمًا أن يتصدّوا ولو دفعوا الثمن أكثر من سواهم، لأن مصير شعب فوق كل اعتبار.

أنطوان مراد ـ مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل