
كمّ مرّة اِستخدمت كلمة لبنان، ولماذا اِستخدمت بهذا الكمّ الهائل عبر التاريخ وإلى وقتنا هذا؟ بلغات الأرض قاطبة، وبجميع الكتب المقدّسة والملاحم الأسطوريّة اِستخدمت وكُتب عنها. لعلّ كلمة لبنان تحوّلت إلى أمانة تاريخيّة، وفخر حاضر رُغم النوائب، ومستقبل مشرق بفضل جهود من يعمل له.
وبدا دائمًا، أنّ لكلٍّ من هذا المجتمع لبنانه الخاص الذي فهمه. فإذا اتّفقنا على أنّ لبنان هو رغبة الله على الأرض التي حوّلها إلى جنّة، فهذه الرغبة تعذّب وجدان من عرفها ولم يؤمن بها على قدر إيمانه بفتاوى وكلاء الله على الأرض. فهل كان لهذه البقعة الجميلة من الكوكب الأزرق، أن يكون لها سعيد عقل آخر؟
هل علينا أن نُخبر أحدًا ما بما مررنا به، ليقصّ علينا ما يشبه ملحمة الشّعب اللّبنانيّ المقاوم؟ وإن أخبَرَنا وأدخل إلى عقولنا حزن الماضي ولوعة الحاضر، فالفخر يرافقنا، مذ أحرق أرتحششتا الثالث مدينة صيدون بأبنائها وبنيانها ومعابدها، إلى الوصاية التي رحلت تحت إصرار المقاومة وجهد بطريرك الاستقلال الثاني، إلى الهيمنة الحاليّة. فمن قال إنّ المقاومة تشيخ وتموت؟ إنّها تبقى نضرة، وتحيا مع كلّ شهيد سقط من أجل لبنان، ولُفّ بالعلم اللّبناني، وليس من أجل عقيدة مستوردة.
الاقتناع الشعبي اللّبناني انتصر منذ اللحظة الأولى لفكرة الوطن. لكنّ المأساة الأكثر تأثيرًا كانت شعور كلّ لبنانيّ أنّه وحده، فلا الخماسيّة ولا السداسيّة تقف بجانبه، بل بجانب المصالح العليا لبلدانها.
إنّ هذه المأساة تمّ ترميمها في كلّ جواز سفر يحصل عليه أي لبنانيّ، مقابل كلّ لاجئ غير شرعي. والذّين يحصلون على تأشيرة سفر من أجل الهجرة، أو الالتفاف حول القوانين الدوليّة لبقائهم في الغربة من دون عودة، لم يدخلوا الفعل الوطنيّ، أي اللّبننة النابعة من حلم سعيد عقل وشارل مالك وبشير الجميل وسمير جعجع وغيرهم…
ذاك الفعل أصبح أوحد لدى كلّ لبنانيّ كيانيّ من الآن وصاعدًا، والذّي تُعبّر عنه مسيرة “القوّات اللّبنانيّة” بكل الحب للوطن الذّي يحصل داخل كوادرها، أمام عجز الأفكار والمحاولات اليائسة والتضليل الوطني لطمس اسم وهويّة لبنان، ولم ينجح وسيبقى العجز عاجزًا.
أيّها الذّين “تَعدّون” من أجل الديمقراطيّة المزيّفة، هل تعلمون من أين ومتى وُلدت اللّبننة، أم جلّ ما يهمكم عقيدة – ولو كانت حقيقيّة وواقعيّة – وُلدت كما وُلد غيرها بعد وجود لبنان وولادة اللّبننة بملايين السنين!؟ ولم تستعملوا مفاهيمها للحفاظ عليه. فاللّبننة هي فكرة الوطن الراسخة الذّي يضم كلّ أبنائه: “في بيت أبي منازل كثيرة” (يو 14: 2). وقد رسم أهله مشوارًا دمويًّا وسياسيًّا وثقافيًّا، وكان تحديًّا لجميع المراحل والاحتلالات والوصايات وانتصر فيها.
انتصرت فكرة اللّبننة في كلّ مرحلة صعبة من مراحل الوطن، ولم تكن اللّبننة إرهابًا كما سُمّيت إبان الحروب التي مرّت. ولم تكن كالتغيرات السياسيّة والإيديولوجيّة والديموغرافيّة كالعرقنة والأفغنة والصّوملة والتحول الكبير الذي أصاب إيران بعد الثورة الإسلاميّة. بل كانت فعلاً إيجابيًّا لأفكار قد تكون اختلفت إيديولوجيًّا وفكريًّا في ما بينها، لكنّها توحّدت تحت أرزة لا يصح العد والتعداد في ظلّها، إلاّ لمحطات التاريخ المشرّف التي لا تحصى.
فلماذا عدّ النفوس أيّها السادة؟