
يقصد بـ”الطباق” في علوم اللغة العربية على أنّه الجمع بين شيئين متقابلين “أي متعاكسين”، مثل: الحي والميت، وهو الجمع ما بين الشيء وضدّه، نحو الجمع بين السواد والبياض، والنهار والليل، والبرد والحر، وفي موضوع بحثنا نحو الجمع بين الأمة السورية العلمانية التي أسسها أنطون سعادة ويسير عليها الحزب السوري القومي الاجتماعي و”أمة الحزب الاسلامية” على خطى الولي الفقيه، مطلق الصلاحية في الأمرة والقيادة والافتاء والتوجيه.
ربّ معتقد من المؤمنين الصادقين بالعقيدة السورية القومية الاجتماعية، أن وضع حزبه الحالي هو في ابتعاد مسؤوليه والقيمين عليه عن مبادئ العقيدة وتعاليم الزعيم المؤسس أنطون سعادة، وربّ معتقد طوباوي من الحزب نفسه أن الحزب وعقيدته وتعاليمه ما زالت سارية المفعول، صالحة التطبيق على الأمة السورية المترامية المساحات والمتعددة الأوطان والهويات والطوائف، ولكن بالمقابل ربّ مستيقظ ومتيقظ قومي سوري اجتماعي علماني حسن النية، يسأل ويتساءل عن تموضع حزب الامة السورية العلمانية تارة مع الأحزاب الوطنية المناقضة عقائديًا وتاريخيًا لعقيدة الحزب، وطورًا مع الأحزاب الطائفية ومحاربته تحت لوائها، وصولًا الى تحقيق مأربها في اتفاق الطائف الطائفي حسب توصيف القوميين العلمانيين وأطوارًا كثيرة تتجسد في تموضعه الحالي تحت عباءة وأمرة وسلطة الحزب الديني الإسلامي الشيعي الإثني عشري، الخاضع لسلطة الولي الفقيه الديني الإلهي المعصوم.
تعبيرًا عن حقيقة عقيدة الحزب الديني، نقرأ في الوثيقة التأسيسية للحزب في 16 شباط 1985، “إننا أبناء أمّة الحزب، نعتبر أنفسنا جزءًا من أمّة الإسلام في العالم… إننا أبناء أمّة الحزب التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسّست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم… نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثّل بالوليّ الفقيه الجامع الشرائط، وتتجسّد حاضرًا بالإمام المسدِّد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني … نحن أمّة ترتبط مع المسلمين في كافة أنحاء العالم برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام… ومن هنا فإن ما يصيب المسلمين في أفغانستان أو العراق أو الفليبين أو غيرها إنما يصيب جسم أمتنا الإسلاميّة التي نحن جزء لا يتجزأ منها، ونتحرّك لمواجهته انطلاقًا من واجب شرعي أساسًا، وفي ضوء تصور سياسي عام تقرره ولاية الفقيه القائد”…
وكان نصرالله قد أكد على هذا الاعتبار “الثابت” عند إعلان الوثيقة السياسية للحزب في 30 تشرين الثاني 2009 بقوله مفسّرًا موضحًا: “نحن قدمنا وثيقة سياسية ولم نعالج الجوانب العقائدية أو الإيديولوجية أو الفكرية، وسأكون صريحًا وواضحًا نحن موقفنا من مسألة ولاية الفقيه هو موقف فكري عقائدي وديني وليس موقفًا سياسيًا خاضعًا للمراجعة”.
وتجسيدا للمصطلح اللغوي “الطباق”، وفي تضاد واضح مع ما ورد في بيان “امة الحزب” الآنف الذكر، نقرأ في مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي: “ان القوميّة لا تتأسس على الدين، ولا تتأسس عليه الدولة القومية. هذه الدولة التي تضمّ “الهلال السوري الخصيب ونجمته جزيرة قبرص. أي انها تضم كل من العراق والكويت والأحواز والشام (سوريا) ولبنان وفلسطين والأردن وأطراف جغرافية طبيعية سيناء وقبرص وقيليقية ولواء اسكندرون… وفيها يؤَمّن تساوي الحقوق لأبناء الأمة”.
ويقول سعادة في كتابه نشوء الأمم: “الأمة جماعة من البشر تحيا حياة موحّدة المصالح، موحّدة المصير، موحّدة العوامل النفسية ـ المادية في قطر معيّن يكسبها تفاعلها معه، في مجرى التطور، خصائص ومزايا تميّزها عن غيرها من الجماعات”.
إن من ينظر اليوم الى تشكيلة الممانعة المتنوعة بالعقائد المتناقضة المتضادة المتصارعة، من أقصى العلمانية الى أقسى الشمولية الدينية الاسلامية الإلهية، يعتقد أن ما أملى الجمع هو في الإلحاح بالمقاومة وجبه الأخطار، وأن هذا الجمع لا يمس بعقيدة أي من الأحزاب الممانعة ولا يجعل أحدها أو بعضها ملحقًا بأقواها المسيطرة بالسلاح والمال وبسطوة الإقليم، الا أننا وانطلاقًا من “الطباق” الواضح مبدئيًا، نجد التحاقًا وتبعية لأمة “الاسلاميين” ونكرانًا للذات القومية العلمانية مع المؤسس أنطون سعادة، كذلك اليوم مع حزبه السوري القومي الاجتماعي بفرعيه “ربيع بنات” و”اسعد حردان”.
فسعادة الذي اعتبر أن الأمة لم تتأسس على الدين، عاد وقال في كتاب الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية في الصفحة 12: “ليس من سوري إلا وهو مسلم لرب العالمين. فاتقوا الله واتركوا تأويل الحزبيات الدينيّة العمياء، فقد جمعنا الإسلام: منا من أسلم لله بالإنجيل ومنا من أسلم لله بالقرآن ومن أسلم لله بالحكمة… فليس لنا من عدوّ يقاتلنا في ديننا وحقنا ووطننا غير اليهود”. هنا قام أنطون سعادة باعتبار اليهود الموجودين في الهلال السوري الخصيب وقبرص أعداء لـ”دين” الإسلام المنضوي تحته المحمديون والمسيحيون والدروز، علمًا أنه عاد واعتبر في نفس الكتاب في الصفحة 35، أن “اتفاق الملّتَين الموسوية والمحمدية في أساس تشريعي واحد”… ليضرب بنفسه وقلمه “فكرة القومية السورية” التي تقوم على إسقاط “الدين” كعنصر من عناصر تكوين الأمة. أما أكثر ما وضع أمة سعادة العلمانية تحت جلباب “الأمة الإسلامية” التي ينادي بها الحزب اليوم، هو في دعوة المؤسس العلماني نفسه المسيحيين للاستسلام والتسليم العقائدي والديني، وفي الكتاب المذكور نفسه في الصفحة 242: “ولكننا نرى هنا أن نقول بصورة خصوصية لا دخل للحزب فيها، إنه من المستحسن أن يعدّ المسيحيون المدنيون أو العلمانيّون، إذا لم يشأ الإكليروس، محمدّا رسولاً الهيًّا ودينه دينًا صحيحًا ليشعر المحمديون بأن المسيحيين لا يكفرونهم في دينهم ولا يحطوّن من قدر نبيهم”.
اما شهر العسل المزعوم بين الحزبين الزوجين، ما هو في الحقيقة الا رضوخًا من طرف واحد للأقوى البعيد الغريب عن عقيدة العلمانيين الذين يخدمون الفكر الطائفي الديني المذهبي، سواء علموا أم لم يعلموا، وتبادل الحب بين الحزبين قد عُبِّر عنه في محطات أوردتها الصحف مفعمة باتهامات الطائفية والعمالة للصهيونية التي كالها حزبا “المقاومة الاسلامية” و”نسور الزوبعة المقاومة” بعضهما لبعض، نذكر القليل منها مع مضامينها المعبرة:
ـ يقول نائب رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي عبدالله سعادة في 12 حزيران 1986: “إن الحزب يريد تهجير مسيحيي مشغرة، بذريعة أن البلدة تُعتبر ثغرًا بمواجهة العدو الإسرائيلي، ولذلك، فإن مقاتلي الحزب لا يأمنون على دينهم وأنفسهم، إلاّ إذا خلا لهم الموضع وانفردوا فيه…”
في اليوم نفسه، برر “الحزب” قتل المسيحيين على لسان الشيخ حسن طراد الذي أعلن أن “ذنب مسيحيي مشغرة أنه لم يكن عندهم حسين، وكان عندنا حسين، وأنهم لم يكونوا من جماهير الإمام الخميني، بل كانوا من جماهير الصهيونية”.
ـ أعلن بيان لـ”الحزب” أوردته صحيفة النهار في 12 حزيران 1986، بعد الاشتباكات بين حزب الأمة الإسلامية وحزب الأمة السورية، أنه “على إثر ذلك حشد القوميون مجموعات عسكرية حول مشغرة وعلى الطرق المؤدية اليها وخطفوا بين صغبين وعيتنيت بعض الناس، لانتمائهم الطائفي، وعددًا من إخوتنا بينهم المجاهد نصار نصار أحد أبرع قادة العمليات الجهادية ضد إسرائيل وعملائها”… وبعد أسر نصار أقدموا على تصفيته.
ـ في رد الحزب السوري القومي الاجتماعي على البيان المذكور ورد في صحيفة النهار في 13 حزيران 1986 ما يلي: “اقتحم مسلحون في الحزب متجر بشارة حجار حيث اغتالوه داخل محله مع أخيه زاهي حجار، وهما صاحبا المحل ومدنيان.. .ثم تحول مسلحو الحزب الى مجموعات بدأت بالخطف…واستمرت حملة دهم بيوت رفقائنا العزل وبعض العائلات الصديقة، فجمعت أكثر من عشرين رفيقًا ومواطنًا بينهم أشبال لا يتجاوز عمر الواحد منهم ثلاثة عشر عامًا… إن العملية بما مهد لها من حشد عسكري وإبقاء المسلحين داخل مشغرة وبما سبقها من اعتداءات قامت بها جماعة الحزب في البلدة والمنطقة على المواطنين وعلى الأحزاب الوطنية هي جزء من خطة باتت تبرز معالمها يومًا بعد يوم لاقتطاع هذه المنطقة والقيام بعملية فرز وتهجير سكانيين..”
ـ أصدر تجمع العلماء المسلمين بيانًا ورد في صحيفة النهار في 15 حزيران 1986 جاء فيه: “…نفاجأ بهذه الهجمة الشرسة التي تستهدف المسلمين الملتزمين الذين أثبتوا جدارتهم في مقاتلة اليهود… وأخشى ما نخشاه أن يحمل التحرّك الحالي والمعركة المفتعلة الآن في مشغرة وضواحيها بما تمثل من موقع جغرافي وعسكري، ملامح توجه سياسي يستهدف إرباك الساحة، وإعاقة تحرّك المقاومين المجاهدين، وتحقيق واقع عسكري على الأرض يحول بين المسلمين وبين مواصلة جهادهم في مواجهة اسرائيل وعملائها… فكيف يحاصر مشغرة اليوم من بعض جهاتها، جيش العميل لحد بما يمثل من امتداد إسرائيلي ومن جهتها الأخرى يحاصرها وطنيون يما يمثلون من امتدادات تفترض فيها أن تكون وطنية وأن نكون وإياهم في خندق واحد في مواجهة أعدائنا”؟
ـ أما جريدة حزب الأمة أو أمة الحزب “العهد”، فقد أوردت في 21 حزيران 1986 تعليقًا على أحداث مشغرة الآتي: “لقد مني العدوان الذي شنته زمرة الحزب القومي ضد بلدة مشغرة، بالفشل الذريع بفضل الجهود التي بذلتها أمة الحزب في الدفاع عن مشغرة وفي تسوية المشكلة… بعيد الاندحار الإسرائيلي بدأ الحزب القومي يمارس اعتداءات مستمرة على أشكال الحركة الاسلامية في بلدة مشغرة من دون النظر الى الخصوصيات وكانت الاعتداءات ثمرة كون عناصر الحزب القومي في مشغرة أفراد سابقين في القوات اللبنانية، وعملاء لإسرائيل أثناء الاحتلال الصهيوني وانتموا الى الحزب القومي لمواصلة علمهم التخريبي والتجسسي.
ورغم ما أبداه أخوتنا من تسامح إزاء التصرف الشاذ، عادت عناصر الحزب القومي لتستغل أجواء زفاف أحد الاخوة في البلدة فتمارس أعمالًا شاذة ولا أخلاقية.
الحزب القومي بدا واضحًا من تنسيق اعتداءاته المتكررة، ومن حشد عناصره وألياته على حدود مشغرة ومحاصرتها وقصفها، وكان في نية المخططين والمنفذين تأديب بلدة مشغرة على جهادها ومقاومتها ضد الاحتلال والتمهيد لعمل تسووي مع العدو الصهيوني وخطب ود الأنظمة الاستكبارية المعادية للمستضعفين… فكيف لا تخجل زمرة الحزب القومي حين يطلق وزير الدفاع الصهيوني تصريحه الذي يقول فيه إن إسرائيل تنظر بعين العطف الى كل تحرّك موجه ضد الحزب”.
إن كلّ ما ذكر من أحداث وأحاديث ليست الا من ضمن جولات الترويض والتدجين والتأديب والتأنيب التي وضعت الحزب السوري القومي الاجتماعي وأمثاله من الأحزاب العقائدية العلمانية تحت أمرة وسيطرة وعباءة حزب “الجمهورية الاسلامية في لبنان”، وهي التي جعلتها أيضًا فصيلًا من فصائله، تنفذ أجنداته مقاتلة في صفوفه وفي خدمة أهدافه، كدور الحزب السوري القومي الاجتماعي في اجتياح بيروت في 7 أيار 2008 وحرقه لتلفزيون المستقبل من ضمن واجبه القومي العلماني، بتغليب مذهب على مذهب ضمن الطائفة الواحدة داخل لبنان في “أمة سعادة” السورية.
.jpg)