القصة الكاملة للعلاقة بين “حزب الله” والمحكمة الدولية 5 …المحاكمة الغيابيّة طريق اللاعودة عن العدالة

إذا كانت الظروف تسمح لأي قاتل أو مجرم أو مرتكب، أن يتوارى الى حين من الزمن، وأن يبقى خارج القضبان، وإذا كانت الظروف الأمنية وسلطة الأمر الواقع قادرة على حمايته لمرحلة محددة، وإذا كانت موازين القوى مائلة لصالح القاتل ليظنّ نفسه أنه فوق القانون، وقادر على أن يكون إستثناء عن باقي الناس، فإن أحداً ليس بمقدوره فرملة عجلة العدالة أو إيقافها أو تجميدها بإنتظار صفقة من هنا أو مقايضة من هناك. إن قوّة الحق في هذا الجانب تتقدم على حق القوة بأشواط، وإن تأخر سوق المجرم اليها. هذه سنّة الله في خلقه، القائمة على المعادلة الربانية “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب”، التي منها إستمد المشترع قوانين الأرض الوضعية، لتكون إرادة إحقاق الحق أقوى من أي شيء.

وعلى أهمية توقيف المرتكب وسوقه الى قفص الإتهام ليحاكم أمام الملأ وينال عقابه، فإن السير بالمحاكمة من دونه وكشف الوقائع والحقائق والأدلة أمام الرأي العام لا تقل أهمية عن القاعدة الأولى. من هنا تأتي أهمية المحاكمة الغيابية لأي متهم آثر الفرار من وجه العدالة، لتبقى لعنة جريمته ودماء الأبرياء تطارده وتطارد من خطط ودبر وأمر بتنفيذ الجريمة الى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وهذه القاعدة القضائية هي التي لجأت اليها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، لمحاكمة المتهمين في إغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، ومرتكبي كل جرائم الإغتيال المتلازمة، وما المحاكمة التي ستبدأ بعد ساعات وينتظرها العالم كلّه، الا شاهد على أهمية المحاكمة الغيابية، ذلك لأن الخوف لا يأتي من الإدانة عبر محكمة دولية كانت أو وطنية، إنما خوف القتلة من إدانة اللبنانيين ليس للمجرمين وحدهم، وإنما لمن حواهم وحماهم ودافع عنهم ورفعهم الى مرتبة الأنبياء والقديسين والمعصومين.

اليوم وعشية رفع رئيس المحكمة مطرقته إيذاناُ بإنطلاقة المحاكمة التاريخية، يمكن فهم الإيقاع البطيء الذي كانت تسير على هديه المحكمة وأجهزتها، وهنا يسهل فهم الأبعاد التي حدت بالمدعي العام الدولي وقاضي الإجراءات التمهيدية، بأن يبقيا مضمون القرارات الاتّهامية سرية. وفي هذا الوقت أيضاً، بدأ المتابعون لرحلة العدالة الطويلة، إدراك تأثير مذكّرات التوقيف الدولية التي أصدرها قاضي الإجراءات التمهيدية بحقّ المتّهمين، وأجاز لمكتب المدّعي العام تزويد الانتربول بالمعلومات الضرورية لإصدار “نشرة حمراء” بحقّ كل من المتّهمين الأربعة مصطفى أمين بدر الدين وسليم جميل عيّاش وحسين حسن عنيسي وأسد حسن صبرا، بعد إستنفاد كل وسائل التبليغ بالطرق القانونية، ومناشدة المتّهمين الاستفادة من الخيارات القانونية التي تمنحها قواعد الإجراءات والإثبات، والإسهام في كشف الحقيقة وإقامة الإجراءات العادلة، والتأكيد لهم أن لا شيء إطلاقاً، قد يحيد المحكمة عن مهمّتها أو قد يمنعها من الاضطلاع بها، وأن لا رجوع عن مسيرة العدالة.

إن ما يؤكد مراعاة المحكمة أعلى معايير العدالة، هي القيود التي تضمنتها قواعد الإجراءات والإثبات والتي تشددعلى استيفاء كل الشروط عند عقد الجلسات في حال غياب المتّهم، بحيث تكفل المحكمة، أنّ المتّهم قد أبلغ بقرار الاتّهام أو تمّ تسليمها إليه، أو تم إخطاره بقرار الاتّهام عن طريق النشر في وسائل الإعلام أو الاتصال في دولة إقامته أو جنسيته. أن يكون المتّهم قد عيّن محامياً من اختياره، يقوم المتّهم بدفع أتعابه، أو تقوم المحكمة بدفعها، إذا تبيّن أنّ المتّهم معوز. وأنه متى رفض المتّهم تعيين محام أو تعذّر عليه ذلك، يتم تعيين المحامي من مكتب الدفاع لدى المحكمة بغية ضمان التمثيل الكامل لمصالح المتّهم وحقوقه.يوسف دياب

لعلّ إستنفاد المحكمة لكل الإجراءات، ومحاولاتها المستمرة في تشجيع السلطات اللبنانية على تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة بحق المتهمين، كلّها مجتمعة شقّت الطريق نحو المحاكمة الغيابية، وكانت بداية هذه الطريق، مع التقرير الذي قدّمه النائب العام لدى محكمة التمييز في لبنان في التاسع من آب 2011، إلى المحكمة الدولية عن التدابير التي اتّخذتها للبحث عن المتّهمين في قضية اعتداء 14 شباط 2005 وتوقيفهم، وإحالتهم أمام المحكمة. وورد في التقرير أنّ السلطات اللبنانية “بذلت أقصى جهودها لتنفيذ مذكّرات توقيف بأسماء المتّهمين الأربعة، غير أنّ تلك الجهود لم توفّق”.

في الحادي عشر من شهر آب، أي بعد يومين على تقرير القضاء اللبناني، صدر عن رئيس المحكمة القاضي أنطونيو كاسيزي، تصريح تضمّن أنّ السلطات اللبنانية أبلغته أنّها لم تتمكّن من تبليغ قرار الاتّهام إلى المتّهمين شخصياً، ولا حتى توقيفهم. وذكّر فيه جميع المتورّطين في الجرائم الإرهابية في لبنان أن لا شيء إطلاقاً، قد يحيد المحكمة عن مهمّتها أو قد يمنعها من الاضطلاع بها، وأن لا رجوع عن مسيرة العدالة. وناشد المتّهمين الاستفادة من الخيارات القانونية التي تمنحها قواعد الإجراءات والإثبات، والإسهام في كشف الحقيقة وإقامة إجراءات عادلة. بعدها بأسبوع واحد قرر قاضي الإجراءات التمهيدية، بعد التشاور مع المدّعي العام، الإعلان عن كل من قرار الاتّهام في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وقرار تصديق القرار الاتّهامي بالإضافة إلى مذكّرات التوقيف التي أصدرها. وشرح القاضي دانيال فرانسين في قرار التصديق، الأسباب التي دفعته إلى إبقاء قرار الاتّهام سرّياً لغاية الآن وهي الحفاظ “على سلامة الإجراءات القضائية، ولا سيما فعالية البحث عن المتّهمين واستدعائهم إلى الاستجواب، عند الاقتضاء”. غير أنّ السرّية أُبقيَت على أجزاء صغيرة من قرار التصديق ومن قرار الاتّهام، وعلى أجزاء من مرفقاته، نظراً لارتباطها بمسائل يمكن أن تؤثّر في تحقيقات المدّعي العام الجارية، وكذلك في خصوصية وأمن المتضرّرين والشهود.

التبليغ الإستثنائي

في 18 آب 2011 لجأت المحكمة إلى إجراءات الإعلان العام لإبلاغ المتّهمين بقرار الاتّهام، فأصدر رئيس المحكمة قراراً، اعتبر فيه أنّه يقتضي، في ضوء عدم تمكّن السلطات اللبنانية من إبلاغ المتّهمين وتنفيذ مذكّرات توقيفهم، اللجوء إلى إجراءات التبليغ الاستثنائية، أي تبليغ هؤلاء عبر الإعلان العام. وطلب من رئيس قلم المحكمة تحديد وسائل الإعلان العام وتنفيذها، في لبنان وفي بلدان أخرى إذا اقتضى الأمر. كما دعا في هذا القرار السلطات اللبنانية إلى تكثيف جهودها لاعتقال المتّهمين ووضعهم تحت سلطة المحكمة. وفي 31 من الشهر نفسه، أرسل رئيس قلم المحكمة الخاصة بلبنان كتاباً إلى النائب العام لدى محكمة التمييز (سعيد ميرزا) ضمّنه نص الإعلان العام لنشره، الذي يُعلم الجمهور بموجبه بوجود قرار اتّهام ويدعو المتّهم إلى تسليم نفسه إلى المحكمة أو الخضوع لاختصاصها. كما يدعو الإعلان كل مَن يملك معلومات عن مكان وجود المتّهم إلى اطلاع المحكمة عليها. وأتبعه بكتاب آخر أرسل في التاسع من ايلول الى النائب العام التمييزي، يحدد فيه وسائل النشر بحيث يتم في 5 صحف لبنانية ثلاث منها باللغة العربية وصحيفة باللغة الفرنسية وأخرى باللغة الانكليزية. وبالفعل نشر الإعلان العام في الصحف اللبنانية التالية: “النهار”، “السفير”، “المستقبل”، “The Daity Star”, “LOrient le jour”.

إجراءات المحاكمة الغيابية

في الثامن من أيلول 2011 أصدر رئيس المحكمة القاضي انطونيو كاسيزي، قراراً دعا فيه إلى عقد اجتماع لغرفة الدرجة الأولى، قبل بدء المحاكمة لتناول مسائل متنوّعة مثل عقد جلسة لمثول المتّهم أمامها للمرّة الأولى إذا كان قيد الاحتجاز، والبتّ في ما إذا كانت المحاكمة الغيابيّة صحيحة، والفصل في الطلبات الأوّلية. باشرت المحكمة الخاصة بلبنان، بعد الإعلان العام، إجراءات المحاكمة الغيابيّة. في هذا الوقت كان النائب العام التمييزي في لبنان قدم في 19 أيلول تقريره الثاني حول التدابير التي اتّخذتها السلطات اللبنانية للبحث عن المتّهمين في قضية اعتداء 14 شباط 2005، وتوقيفهم، وإحالتهم أمام المحكمة. وبعد يومين أحال رئيس المحكمة (كاسيزي) هذا التقرير إلى قاضي الإجراءات التمهيدية، وأرفقه بمذكّرة دعاه فيها إلى الطلب من غرفة الدرجة الأولى، متى رآه ضرورياً، مباشرة إجراءات المحاكمة غيابيّاً. في السابع من تشرين الأول 2011 أرسل المدّعي العام (بلمار) إلى السلطات اللبنانية كتاباً رسمياً بهدف مساعدة المحكمة الخاصة بلبنان، تضمّن توصيات حول تدابير فعلية وإضافية تتناول التحقيق في مكان تواجد المتّهمين بهدف تحديده وتوقيفهم. واقترح المدّعي العام أنّه في حال عدم التمكّن من تنفيذ هذه التوصيات أم أنّها لم تنجح، أن يتقدّم لبنان بتقييم مفصّل حول هذا الأمر وعن أسبابه وعن الوضع الميداني في لبنان، وعلى أن يقدّم هذا التقرير قبل تاريخ 6/11/2011. لكن في 17 من شهر تشرين الأول أصدر قاضي الإجراءات التمهيدية قراراً طلب بموجبه من غرفة الدرجة الأولى مباشرة محاكمة المتّهمين غيابيّاً وعلى أن تفصل في مدى توافر شروط مباشرة هذه المحاكمة. حينئذٍ قرّرت غرفة الدرجة الأولى دراسة مدى توافر شروط المباشرة بمحاكمة المتّهمين غيابيّاً، كما عيّن مكتب الدفاع محامين للدفاع عن المتّهمين.

تعيين وكلاء الدفاع

بعد أن قدم النائب العام لدى محكمة التمييز تقريراً ثالثاً في 19 تشرين الأول إلى المحكمة حول التدابير التي اتّخذتها السلطات اللبنانية للبحث عن المتّهمين، لجأت غرفة الدرجة الأولى في اليوم التالي أي في 20 تشرين الأول، الى إتخاذ قرار إعتبرت فيه، أنه عليها البتّ، قبل المباشرة بالمحاكمة الغيابيّة، بمدى توافر الشروط المنصوص عليها في قواعد الإجراءات والإثبات. وطلبت من مكتب المدّعي العام ومن المتّهمين (سليم جميل عياش، ومصطفى أمين بدر الدين، وحسين عنيسي، وأسد حسن صبرا) ومن مكتب الدفاع إيداع مذكّرات خطّية تتناول هذه المسألة. وحدّدت تاريخ 11/11/2011 موعداً لعقد جلسة للنظر في هذه القضيّة. على أثر تحديد موعد الجلسة سارع رئيس مكتب الدفاع فرنسوا رو، في 25 تشرين الى تعيين ثمانية محامين للدفاع عن المتّهمين الأربعة، خُصِّص محاميان لكل متّهم، وهم: المحامي الفرنسي من اصل لبناني انطوان قرقماز والمحامي البريطاني جون آر دبليو دي جونز للدفاع عن مصطفى بدر الدين. المحامي الكندي يوجين أوساليفان والمحامي اللبناني أميل عون للدفاع عن سليم عياش. المحامي الفرنسي فينسان كورسيل لابروس والمحامي المصري ياسر حسن للدفاع عن حسين عنيسي، والمحامي البريطاني دايفد يونغ والمحامي السويسري غويناييل ميترو للدفاع عن أسد صبرا.

شروط المحاكمة

في 25 تشرين الأول أيضاً، أفصح المدّعي العام (دانيال بلمار) عن الطلب الرسمي الذي كان تقدّم به من السلطات اللبنانية لتقديم المساعدة للمحكمة الخاصة بلبنان لتوقيف المتّهمين. ثم قدّم مذكّرة إلى غرفة الدرجة الأولى، أرفق بها كتاب التوصيات الذي أرسله إلى النائب العام اللبناني بتاريخ 7/10/2011 وطلب فيه: أن يُبقي كتابه تاريخ 7/10/2011 سرّياً. وأن تشارك السلطات اللبنانية في الجلسة المقرّر عقدها في 11/11/2011، لمساعدة غرفة الدرجة الأولى، للبتّ في مدى توافر شروط المحاكمة الغيابيّة وأن تتقدّم، إن شاءت، بمذكّرات في هذا الموضوع. وما لبثت محكمة الدرجة الأولى أن أصدرت قراراً في 27 تشرين الأول، كلفت بموجبه مكتب الدفاع أن يبيّن الأساس القانوني الذي استند إليه في قراره لتعيين محامين عن المتّهمين. وفي اليوم التالي قدّم مكتب الدفاع مذكّرة إلى غرفة الدرجة الأولى حدّد فيها الأسس التي استند إليها لتعيين محامين، حيث اعتبر أنّ هذا التعيين أملته العجلة وهو مؤقّت، وأنّه اتّخذ وفقاً لأحكام قواعد الإجراءات والإثبات، وذلك للحفاظ على حقوق المتّهمين خلال إجراءات النظر بمدى توافر شروط المحاكمة الغيابيّة. وطلب من المحكمة أن تقرّر بأنّه يجوز للمحامين المعينين من قِبَل مكتب الدفاع تقديم ملاحظاتهم وأن يمثلوا في الجلسة المحدّدة في 11/11/2011. وبعد ثلاثة أيام طلب مكتب الدفاع تزويده بنسخة عن كتاب المدّعي العام الموجّه إلى السلطات اللبنانية والمؤرّخ في 7/10/2011، والمستندات المرفقة بهذا الكتاب، والذي يتضمّن توصياته حول الإجراءات الواجب اتخاذها لتوقيف المتّهمين.

بلمار يتحفظ

في الثاني من تشرين الثاني 2011 قدم المدّعي العام مذكرة الى غرفة الدرجة الأولى، إعتبر فيها أنّه لا يمكن المباشرة في المحاكمة الغيابيّة لعدم توافر شروطها، وخلص إلى الطلب من المحكمة وجوب اعتبار أنّ شروط الشروع بالمحاكمة الغيابيّة غير متوفرة، لأنه لا يمكن اعتبار أنّ السلطات اللبنانية اتّخذت الخطوات المعقولة، وبالعناية الواجبة، لضمان مثول المتّهمين أمام المحكمة. واعتبر ان السلطات اللبنانية لم تُمنح الوقت الكافي لإلقاء القبض على المتّهمين. وأنه لا توجد أدلة كافية لاعتبار انّ السلطات اللبنانية لم تتخذ الخطوات اللازمة لتوقيف المتّهمين أم أنّها غير راغبة بذلك. وأحال المدّعي العام إلى المقابلة التي أجرتها مجلة “Time” حيث صرّح أحد المتّهمين أنّ الدولة اللبنانية تعرف مكان تواجده. والأهم أنه لا تتوافر أدلة جازمة على فرار المتّهمين أم تركهم الأراضي اللبنانية. ولهذه الأسباب لا يمكن اعتبار، لغاية تاريخه، أنّ تغيّب المتّهمين يعود لسبب إخفاق الدولة اللبنانية تسليمه أو رفضها تسليمه. وخلص الى إعتبار أنّه يتوجّب على غرفة الدرجة الأولى أن تجري تقييماً حول مدى اتخاذ السلطات اللبنانية الخطوات المعقولة لتوقيف المتّهمين وأنّ على السلطات اللبنانية أن تثبت أنّها اتّخذت الخطوات المعقولة وبالعناية الواجبة لضمان مثول المتّهمين أمام المحكمة. وقد اتّخذ مكتب الدفاع موقفاً مماثلاً إنّما لأسباب مختلفة.

حقوق المتهم

في الجلسة نفسها، أصدرت غرفة الدرجة الأولى قراراً قضى أنّه قبل الشروع بالمحاكمة الغيابيّة يجب أن يتمتّع المتّهم بالحق في حريّة اختيار محاميه. ولذلك فإنّها قضت أنّ المحامين المعينين بتاريخ 25/10/2011 لا يمكن اعتبارهم ممثّلين قانونيين للمتّهمين، إنّما يجوز اعتبارهم ممثّلين عن مكتب الدفاع. وعلى هذا الأساس أذنت غرفة الدرجة الأولى لهؤلاء إيداع ملاحظاتهم والمشاركة في جلسة 11/11/2011. كما أصدرت قراراً ثانياً قضى بوجوب تسليم مكتب الدفاع كتاب المدّعي العام الموجّه إلى النائب لدى محكمة التمييز تاريخ 17/10/2011 وعلى أن يبقى هذا المستند سرّياً. وإرتأت ردّ طلب المدّعي العام مثول الدولة اللبنانية خلال الجلسة التي سوف تُعقد بتاريخ 11/11/2011، وعلى أن يُنظر في طلب دعوتها للمثول بعد أن يتقدّم كافة الفرقاء بمذكّراتهم أو تلك التي سوف يتم تقديمها خلال هذه الجلسة.

في 8 تشرين الثاني قدم مكتب الدفاع مذكّرة إلى غرفة الدرجة الأولى تضمّنت: التأكيد على قانونية تعيينه للمحامين للدفاع عن المتّهمين، إلاّ أنه رفض أن يُعتبروا ممثلين عنه خلال الجلسة التي سوف تُعقد بتاريخ 7/11/2011، وعلى أن تُحفظ حقوق هؤلاء بالإدلاء بدفوعهم في حال قرّرت المحكمة المباشرة بإجراءات المحاكمة الغيابيّة للمتّهمين. كما إعتبر أنّ مذكّرات التوقيف صدرت دون أي تحضير أو بشكل جذري بحيث لم تمنح للمتّهمين إمكانية المثول غير موقوفين أمام المحكمة، إمّا بواسطة نظام المؤتمرات المتلفزة أم عبر ممثلين قانونيين لهم. وخلص مكتب الدفاع إلى اعتبار أنّ شروط المحاكمة الغيابيّة غير متوفّرة. وهنا قرّرت غرفة الدرجة الأولى إشراك “وحدة المتضرّرين المشاركين في الإجراءات”.

في جلسة 11/11/2011 عقدت غرفة الدرجة الأولى جلسة، بقي قسم منها سرّياً، خصّصت لسماع ملاحظات كل من أعضاء مكتب المدّعي العام. وأجازت فيها لوحدة المتضرّرين المثول للاستماع إلى موقفها حول مدى توافر شروط المباشرة بالمحاكمة الغيابيّة دون منحها حق الاطلاع على المستندات ذات الطابع السرّي. لم يحضر دانيال بلمار الجلسة إنّما مثّل مكتب المدّعي العام في الجلسة أعضاء من هذا المكتب، الذين طلبوا: إبقاء بعض المستندات للحفاظ على فعالية التدابير التي تتضمنّها، التي يمكن للسلطات اللبنانية اتخاذها. وإنّ المحاكمة الغيابيّة هي آخر المطاف وليس الخيار الأوّل الذي تلجأ إليه المحكمة”.

تعذّر التبليغ

إنّ تعذّر تبليغ لبنان المتّهمين قرار الاتّهام أو مذكّرات توقيفهم لا يؤدّي إلى وقف عمل المحكمة الخاصة بلبنان، ولا يحول دون اللجوء إلى إجراءات تبليغ استثنائية، ومنها الإعلان العام يُصار من بعدها إلى المباشرة في محاكمة المتّهمين غيابيّاً، وأجازت قواعد الإجراءات والإثبات لرئيس المحكمة في الحالات التي يثبت فيها فشل محاولات الدولة اللبنانية التي جرت لتبليغ قرار الاتّهام أو الدعوة للحضور أو مذكّرة التوقيف إلى أي من المتّهمين، أن يقرّر بعد التشاور مع قاضي الإجراءات التمهيدية، تنفيذ تبليغ الإجراء بطريقة أخرى، بما في ذلك عن طريق إجراءات الإعلان العام. ورأت أنه في حال قرّر رئيس المحكمة اللجوء إلى الإعلان العام، يقوم عندها رئيس قلم المحكمة بإرسال نص إعلان إلى السلطات في أي دولة أو أي هيئة معنية لنشره في الصحف و/أو لبثه في الراديو والتلفزيون و/أو وسائل الإعلام الأخرى، بما فيها شبكة الانترنت. ويرمي هذا الإعلان إلى: إعلام الجمهور بوجود قرار اتّهام. أو الخضوع في جميع الأحوال لاختصاصها. يدعو كل مَن يملك معلومات عن مكان وجود المتّهم إلى اطلاع المحكمة عليها.

المحاكمة الغيابيّة

لقد حدّدت قواعد الإجراءات والإثبات الشروط الواجب توافرها لمباشرة المحاكمات الغيابيّة وهي تهدف إلى الحؤول دون عرقلة سير العدالة الدولية، أكان ذلك من خلال رغبة المتّهم في الهروب من العدالة أو نيّة الدولة احتضان هذا المتّهم عبر رفض تسليمه إلى المحكمة الخاصة بلبنان. وتنص إجراءات القواعد والإثبات أنّه إذا لم يكن المتّهم، خلال مدّة 30 يوماً من تاريخ الإعلان العام خاضعاً لسلطة المحكمة، يطلب عندها قاضي الإجراءات التمهيدية من غرفة الدرجة الأولى مباشرة إجراءات المحاكمة غيابيّاً. ويجوز محاكمة المتّهم غيابيّاً في الحالات والشروط التالية:

1 – إذا تنازل المتّهم صراحة وخطّياً عن حقّه في حضور الإجراءات أمام المحكمة.

2 – إذا لم يتم تسليمه من قِبَل سلطات الدولة المعنية إلى المحكمة خلال مهلة معقولة.

3 – إذا توارى عن الأنظار أو تعذّر العثور عليه بطريقة أخرى وأنّ جميع الخطوات المعقولة قد اتّخذت لضمان مثوله أمام المحكمة وإبلاغه التهم المصدّقة من قاضي الإجراءات التمهيدية.

4 – إذا تغيّب المتّهم بسبب إخفاق الدولة المعنية في تسليمه أو رفضها تسليمه، وفي هذه الحالة على غرفة الدرجة الأولى قبل أن تقرّر إجراء المحاكمة غيابيّاً، على أن تتشاور مع الرئيس وتتأكّد من اتخاذ كل التدابير اللازمة من أجل ضمان إمكانية مشاركة المتّهم في المحاكمة بأكثر السبل ملاءمة.

وتؤكد قواعد الإجراءات والإثبات على استيفاء كل الشروط عند عقد الجلسات في غياب المتّهم، بحيث تكفل المحكمة، أنّ المتّهم قد أبلغ بقرار الاتّهام أو تمّ تسليمها إليه، أو تم إخطاره بقرار الاتّهام عن طريق النشر في وسائل الإعلام أو الاتصال في دولة إقامته أو جنسيته. أن يكون المتّهم قد عيّن محامياً من اختياره، يقوم المتّهم بدفع أتعابه، أو تقوم المحكمة بدفعها، إذا تبيّن أنّ المتّهم معوز. وأنه متى رفض المتّهم تعيين محام أو تعذّر عليه ذلك، يتم تعيين المحامي من مكتب الدفاع لدى المحكمة بغية ضمان التمثيل الكامل لمصالح المتّهم وحقوقه.

القصة الكاملة للعلاقة بين “حزب الله” والمحكمة الدولية 4… جرائم مترابطة لمسلسل إرهابي واحد

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل